محمد طه وفايز..ورحلة الأشواك

تمر هذه الأيام عشرون عاماً على رحيل رجل لم يكن أخي الأكبر فقط، بل كان أباً ومعلماً وقدوة. *الأستاذ محمد طه المولود عام 1956*، بدأ حياته من *القرير الابتدائية*، ثم *الأميرية الوسطى*، وتفوق في *مروي الثانوية*، قبل أن يلتحق بجامعة الخرطوم كلية القانون.
تخرج وعمل *وكيل نيابة بديوان النائب العام*. وفي عهد “تمكين الإسلاميين” مع الرئيس نميري، تم فصله لأنه تحدث في ندوة عن الحريات. لم يندم. قال: “المنصب يزول، والموقف يبقى”.
اتجه للتدريس فكان *أستاذاً للتاريخ*، يغرس في طلابه معنى الوطن والكرامة.
في الجامعة كان *كادراً خطابياً بارزاً*، وأصدر صحيفة حائطية باسم *”أشواك”*. ومن هنا بدأت رحلته مع الكلمة التي توجع وتحمي. عمل في *جريدة الراية*، وكان عضواً في *المكتب السياسي المكون من أربعين شخصاً*، وترأس تحرير *مجلة الملتقى*.
ومع تضييق الخناق عليه، اختار طريق الصحافة الحرة. كتب باسم *”فايز”* في *ألوان*، وكتب عموده الثابت كل *أحد وأربعاء في صحيفة الدار*.
وفي *21 ديسمبر 1998* أسس *صحيفة الوفاق*، التي وصل توزيعها لأكثر من *70 ألف نسخة*. جمع حوله *35 صحفياً* وملّكهم منازل مجاناً قائلاً: “عشان تكتبوا وانتو رافعين راسكم”.
كان باراً بوالديه، سنداً لإخوته، داعماً للأندية الرياضية والثقافية. وترك أربعة أبناء: *رماح، د. روعة، الخميني، والرنتيسي*.
*ليلة الخطف والاغتيال*
في *السادس من سبتمبر 2006*، وفي وضح النهار، تم اختطاف الأستاذ محمد طه منزله بمنطقة كوبر بواسطة عربتين “بوكس”. اقتادوه إلى جهة مجهولة.
وبعد ساعات عُثر على جثمانه بمنطقة مايو مقتولاً بآلة حادة “سكين”. كانت طعنات الغدر تريد إسكات قلم لم يسكت يوماً.
تم تشييع جثمانه الطاهر ودفنه في *مقابر السيد علي الميرغني*، حيث يرقد اليوم، بينما بقيت كلمته تجوب الصحف والمنابر.
تحولت القضية إلى قضية رأي عام هزت السودان. وبعد تحقيقات ومحاكمات، صدر حكم الإعدام في *تسعة من أبناء غرب السودان* كمتهمين أوائل، وتمت تبرئة *خمسة عشر آخرين* لعدم كفاية الأدلة.
*الوفاق بعد محمد طه*
لم تمت “الوفاق” بمقتل مؤسها. حمل الراية من بعده ثلاثة رؤساء تحرير واصلوا المسيرة.
توليت كاتب هذه السطوراخوه معتصم رئاسة التحرير في الفترة من *26 سبتمبر 2006 حتى 30 ديسمبر 2007*.
ثم جاء من بعدي *الأستاذ الشيخ يوسف* لمدة أربعة أعوام، و*الأستاذ إسحاق أحمد فضل الله* لمدة عامين.
وآخر من تولى رئاسة التحرير كان شقيق محمد طه *الأستاذ رحاب طه*، وظل على رأس الصحيفة حتى لحظة نشوب الحرب.
كان هذا هو الوفاء الحقي للرجل. صحيفة لم تُغلق، وأقلام لم تصمت.
*الإرث الذي تركه*
عشرون عاماً مرت على الفقد، وما زال “فايز” حياً في كل عمود حر. ما زالت “الوفاق” درساً في أن الصحافة يمكن أن تنجح بلا تمويل سياسي، فقط بالمصداقية.
وما زال 35 صحفياً يروون كيف كان يوزع البيوت قبل المرتبات، وكيف كان يقول لهم: “اكتبوا الحق ولو على رقبتكم”.
تعلمت منه أن الكرامة لا تُشترى، وأن البر لا يحتاج فراغاً، وأن الخوف خيانة للقلم.
كان يمكن أن يسكت ويحتفظ بمنصبه، أو يجامل ويبقى في الحزب، أو يكتب بأمان ويترك الصحيفة. لكنه اختار أن يكون محمد طه.
رحمك الله يا أخي. الأشواك التي زرعتها صارت غابة، والوفاق الذي أسسته صار مدرسة.
نم قرير العين في مقابر السيد علي الميرغني، فصوتك ما زال يوقظ النائمين.
*رحم الله الأستاذ محمد طه “فايز”، وتقبله شهيد الكلمة. وألهم أهله وذويه وتلاميذه