أخبار عاجلةولايات

معتصم يبحث عن حل.. والتعليم ينتظر الإنصاف

أحمد بامنت – البلد نيوز
“بابا.. إنت ما تدفع عشان أقرأ؟”
بهذه العبارة وبتلك البراءة التي لا تعرف الكثير من التفاصيل والتعقيدات، قدم صغيري معتصم، الذي لم يتجاوز عمره سبع سنوات، الحل لحكومة ولاية كسلا خاصة وللسودان عامة. نعم، هذا هو الحل بهذه البساطة وبلا تعقيد: امنحوا المعلم حقه كاملاً غير منقوص، وبذلك تستمر العملية التعليمية. حل في ظاهره بسيط لقضية معقدة ظلت تؤرق آلاف الأسر في ولاية كسلا.
قالها بعفوية ونحن نعود أدراجنا من المدرسة إلى البيت بعد أن تأكد لنا تمسك المعلمين بالإضراب كوسيلة لنيل حقوقهم. ومعتصم، وبحسب تفكيره البسيط، اعتقد أن المشكلة لا تتجاوز مبلغاً من المال يمكن أن أدفعه بطيب خاطر ليعود هو وباقي التلاميذ إلى مقاعد الدراسة.
معتصم الذي يخطو خطواته الأولى في المدرسة الشرقية الابتدائية لم يكن أمامه ترف الاختيار بين مدرسة حكومية وأخرى خاصة. فقد فرضت علينا ظروف الواقع أن نتجه به إلى التعليم الحكومي، بينما أصرت شقيقته التوأم على مواصلة دراستها في المدرسة الخاصة التي أكملت فيها مرحلة التمهيدي.
لكنني لا أكتب عن معتصم وشقيقته باعتبارهما حالة استثنائية، وإنما باعتبارهما نموذجاً لآلاف التلاميذ والتلميذات وأسرهم الذين يجدون أنفسهم اليوم أمام معادلة صعبة؛ الرغبة في توفير أفضل تعليم ممكن لأبنائهم من جهة، والقدرة المحدودة على تحمل تكاليف التعليم الخاص لكل الأبناء من جهة أخرى.
وفي نهاية المطاف لا يكون أمام الكثير من الأسر خيار سوى اللجوء إلى المدارس الحكومية باعتبارها الملاذ الطبيعي للتعليم، ليكتشفوا أن أبوابها مفتوحة لكن الدراسة متوقفة، وأن الفصول قائمة لكن المعلمين غائبون بسبب الإضراب المشروع للمطالبة بحقوقهم.
ومن هنا جاء سؤال معتصم البسيط: “طيب ما تدفع ليهم يا بابا عشان يشتغلوا؟”
ليت الأمر بهذه البساطة يا صغيري. فالقضية تتجاوز قدرتي أو قدرة أولياء الأمور على الدفع، لأنها في الأصل قضية دولة، وهي الجهة المنوط بها الوفاء بالتزاماتها تجاه التعليم والعاملين فيه. لكن ما حدث عملياً هو أن الدولة أعلنت بداية العام الدراسي وحددت التقويم المدرسي دون أن تضع في مقدمة أولوياتها استحقاقات المعلمين، وهم رأس الرمح في العملية التعليمية.
ومن هنا فإن المسؤولية تقع بصورة مباشرة على عاتق حكومة ولاية كسلا التي يفترض أن تضع قضية التعليم واستحقاقات المعلمين في مقدمة أولوياتها. فقبل التفكير في سفلتة الطرق أو منح التصاديق المالية للعمد والإدارات الأهلية أو الصرف على بنود يمكن تأجيلها، ينبغي أن يكون المعلم حاضراً في سلم الأولويات باعتباره الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي أو نهضوي. فالطرق مهما بلغت أهميتها لن تصنع مستقبلاً بلا تعليم، والتنمية الحقيقية تبدأ من الفصل الدراسي ومن المعلم الذي يحمل على عاتقه صناعة الأجيال. لذلك فإن معالجة استحقاقات المعلمين وصرف حقوقهم كاملة وفي مواعيدها ليست مجرد استجابة لمطلب فئوي، بل استثمار مباشر في مستقبل الولاية واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
وكأن التقويم الدراسي قد وُضع للمدارس الخاصة وحدها إيذاناً ببدء الدراسة، أما من لا يستطيع الالتحاق بها فعليه الانتظار حتى تتمكن الدولة من الإيفاء بمستحقات المعلم. ولهذا يبقى جوهر القضية قريباً جداً من المنطق الطفولي الصادق الذي عبّر عنه معتصم: “أدوهم حقوقهم”.
فالمعلم هو روح العملية التعليمية، ولا يمكن لأي نظام تعليمي أن ينهض بينما يعيش معلموه أوضاعاً معيشية صعبة. وفي المقابل فإن من حق أبنائنا أن يتعلموا، ومن حقهم أن يجدوا معلميهم داخل الفصول، ومن حقهم ألا يكونوا ضحايا لصراع المطالب أو أدوات للضغط.
ولا ينبغي أن يظل التعليم رهينة للأزمات المتكررة، ولا أن يتحول تدريجياً إلى تعليم طبقي يميز بين من يستطيع تحمل تكاليف المدارس الخاصة ومن لا يستطيع.
إن أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يصبح الحق في التعليم مرتبطاً بالقدرة المالية للأسرة. فالقادر على دفع الرسوم يضمن لأبنائه تعليماً مستقراً، بينما يجد أبناء الأسر الأخرى أنفسهم أمام مدارس حكومية تحولت في كثير من الأحيان إلى مبانٍ وأسوار وأشجار، لكنها بلا تعليم حقيقي.
لقد أضحت قضية التعليم في ولاية كسلا واحدة من أكبر التحديات التي تواجه حكومة الولاية. وها هو العام الثاني على التوالي يبدأ وسط الإضرابات وتعثر صرف استحقاقات المعلمين، في مشهد يهدد استقرار العملية التعليمية ويعمق الفجوة بين ما ينبغي أن يكون وما هو قائم بالفعل.
إن إنصاف المعلمين ليس منحة، بل حق أصيل. كما أن ضمان التعليم لأبنائنا ليس ترفاً، بل واجب دستوري وأخلاقي. وبين حق المعلم في حياة كريمة وحق التلميذ في التعليم لا ينبغي أن تكون هناك معركة خاسرة للطرفين، بل مسؤولية مشتركة تستوجب حلولاً عاجلة وجادة.
أما معتصم، فما زال ينتظر الإجابة. وما زال يعتقد أن الكبار قادرون على حل المشكلة إذا أرادوا. فهل نملك الشجاعة لنثبت له أن الأمر كذلك؟

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى