أخبار عاجلةمقالات

من شابه أباه فما ظلم

 

*في الإدارة الأهلية.. لا تورث الهيبة كما تورث الأسماء، ولا تنتقل القيادة بمجرد النسب. فالاسم قد يفتح الباب، لكن الموقف وحده هو الذي يبقي صاحبه في قلوب الناس.
*ومن هنا تبدو مهمة المك محمد المك عجيب الهادي، رئيس الإدارة الأهلية بولاية الخرطوم، أكبر من مجرد تولي منصب كان يشغله والده الراحل المك عجيب الهادي، فهي مسؤولية حمل إرث رجل ترك خلفه مواقف وكلمات ظلت حاضرة في الذاكرة.
*عرفت المك عجيب الهادي _له الرحمة والمغفرة_عن قرب ابان عملي كمستشار اعلامي لعضو مجلس السيادة د. عبدالباقي عبدالقادر فكان يتواجد بصوره شبه يوميه في القصر حاملا هموم ومشاكل أهلنا الجموعية وأهل الخرطوم، وفي تلك الفترة عرفته عن قرب فهو من الأصوات التي اختارت الوضوح في زمن كثرت فيه المواقف الملونه. وحين اشتدت الأزمة، لم يساوم على ما اعتبره ثوابت، ولم يتعامل مع قضايا الوطن وكأنها أوراق تفاوض.
*لذلك لم يكن غريبا أن تبقى عباراته ومواقفه متداولة حتى بعد رحيله، لأن بعض الكلمات تموت بانتهاء المناسبة، بينما كلمات أخرى تعيش لأنها خرجت من قناعة صاحبها، ولعل أبرز مواقفه هو اعادته لسيارة نائب رئيس السيادي في تلك الفترة حميدتي حينما أصبح لازما تحديد.. موقفك.. هل هو ابيض ام اسود ولاوجود لأصحاب اللون الرمادي.
*حسنا.. اليوم يقف ابن الراحل المك عجيب الهادي في ذات الموقع، لكن الخرطوم التي يتولاها الان المك محمد عجيب الهادي أكثر تعقيدا، والمجتمع الذي تنتظره الإدارة الأهلية أكثر إنهاكا، والمسؤولية أثقل من أن تحملها الألقاب.
*إن المرحلة المقبلة لا تحتاج إدارة أهلية تكتفي بالمراسم، وإنما تحتاج قيادة تعرف كيف تجمع الناس بعد أن فرقتهم الحرب، وتحفظ النسيج الاجتماعي، وتدعم الاستقرار، وتعيد للخرطوم شيئا من عافيتها، وهنا تحديدا يبدأ امتحان المك محمد.
*فالإدارة الأهلية في زمن الحرب ليست وجاهة اجتماعية، وليست لقبا تشريفيا، إنها مسؤولية تتطلب الحكمة والشجاعة والانحياز للمجتمع، والقدرة على التوفيق بين صلابة الموقف وهدوء الحكمة.
*الأب الراحل ترك لابنه إرثا ثقيلا من المواقف، لكن محمد عجيب لن يعيش على رصيد والده إلى الأبد.
فالآباء يورثون أبناءهم الأسماء، لكن الأبناء وحدهم يقررون ماذا سيفعلون بها.
فإن استطاع المك محمد أن يجعل من إرث والده نقطة انطلاق، لا مظلة يحتمي بها، وأن يحول ثقة أهله إلى عمل، والمنصب إلى مسؤولية، والإدارة الأهلية إلى مؤسسة حقيقية لخدمة المجتمع، فإنه لن يكون مجرد ابن للمك عجيب الهادي، بل سيكون المك محمد عجيب.. صاحب موقفه الخاص، وامتدادا لإرث لم يكن اسما فحسب، وإنما سيرة من المواقف، وهنا فقط يصبح التشابه بين الأب والابن أكثر من نسب.. «من شابه أباه فما ظلم».. ولكن التاريخ لا يمنح أحدا مجده بالوراثة، وإنما يفتح صفحاته لمن يصنع موقفه.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى