أخبار عاجلةمقالات

*د.وليد شريف عبدالقادر يكتب..فاطمة سعيد الرحيل المر*

أمصال وابر

▪ في هدوء يشبه سيرتها الطيبة رحلت والدتي الحبيبة فاطمة سعيد ، لم أستطع أن أفعل كما كان يفعل بحارة الزمن القديم عندما يواجههم حوت كبير يلقون له بقارب صغير يلهونه حتى يتم صيده ، فالحزن أكبر من أن يبتلعه شئ والألم كان كمستبد وجد ضآلته في قلب أنهكه الأسى والشجن..إنها فاطمة التي كانت تُشكل كل تفاصيل يومي المعتاد بدايةً بتلفون الصباح قبل أن أدلف الى عملي نهايةً بتلفون المساء عندما يضمني الليل بجناحه المهيب وهو يرتل في سره وعلنه (وجعلنا الليل لباساً)،مشهد رحيل فاطمة سعيد أم الجميع أو كما كانت تُكنى الأم الحنون ، ذكرني بنبأ رحيل الشيخ الجيلي الكباشي عندما وصل عكير الدامر وصوره مفجعاً وهو يقول:

خبر الشوم طلع هز القبب واترجت
والنار في الدارويش البترجمو وجت
امواج المحبين بالشوارع قجت
وربات الخدور نزعت حجابها وعجت▪️قبل وفاتها كانت المعجزة الصحية تحكي القصة الآتية: احتضن مستوصف (سارة الطبي) بعروس البحر الأحمر مدينة بورتسودان جسد  محبوبة الكل..زهرة شيخ شريف (كُرمار) وأسطورة الدناقلة الحية، وحديقة الأصول الفواحة أمي الحبيبة الغالية (فاطمة سعيد)…أكثر من شهرين ونحن  تستعين بالله وهي تسكتين  على غير عادتها الفوارة بالحماس والحيوية..تستكين على فراش المرض الأبيض بلا طعام سوى سوائل وريدية تمنح الجسد الطاهر بقية أمل في العودة للحياة والانطلاق من جديد..والمعجزة الصحية أنها مازالت تتمتع بكامل وعيها ، ونضارة وجهها وهي تستقبل زوارها بابتسامة واسعة الحنان والسكينة والاطمئنان..وعزى الجميع هذا إلى دعوات البسطاء  زرافات ووحداناً بالعافية وموفور الصحة والسلامة ، فهي معروف ومشهور  عنها أنها مَنْ السلالة النادرة ..سلالة أفشِ السلام..واطعم الطعام..وصلِّ بالليل والناس نيام.

▪ والقرآن العظيم بحكمه التي تضئ القلوب والعقول والأزمان والدهور،  يتحدث عن أولئك الذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين..طوعوا بعزم غير خائر حجارة صماء إلى معجزة  مساكن  صالحة فيها دفء ومنافع للناس ، وأسراً أنجبت عملاً صالحاً يمشي في مناكب الأرض فيملأها عدلاً وإحساناً وتوفيقاً.. مثلت زهرة شيخ شريف (كُرمار) وأسطورة الدناقلة الحية  فاطمة سعيد الأنثى الأمية والتي لا تعرف القراءة ولا الكتابة حكمة بشرية باذخة مَنَّ الله عليها سبحانه و  تعالى بالتوفيق والسداد في الحياة حتى جعلت  زوجها من مزارع بسيط بمدينة دنقلا في أقصى الشمال  إلى واحد من أكبر أعيان مدينة بورتسودان ، وهو  المغفور بإذن الله تعالى  له المرحوم رجل الأعمال  والبر والإحسان شريف عبد القادر،  فكان من الطبيعي أن يكون له سلالة من أبناء بررة صالحين مميزين واصلوا مسيرة رسالته السامية الظافرة أمثال فتح الرحمن شريف  الذي  بني مسجد (المرحوم شريف) ، وهو سند الأسرة وركازتها الأساسية والمحافظ  بتجرد ونكران ووعي كبير على إرث شريف عبد القادر من التشتت والتمزق والذوبان …فتحي شريف الرجل الأمة ..جمل الشيل ..رجل المواقف الكبيرة والتضحيات العظيمة الصلبة هو كتاب ستقرأه أجيال قادمة يحمل عنوان (سمات كبير أسرة ناجح)..وعلى جانب آخر هنالك من النسل الصالح الشيخة مياسة شريف مقرئة القرآن المعروفة وصاحبة الخلاوي الناشرة لكتاب الله تعالى تعليماً وتحفيظاً وتجويداً..ومنهم قادة رأى عام على نطاق السودان الوطن الواسع يتخذهم الكثيرون قدوات وأمثلةً نيرة للكفاح والنجاح والتفوق.. بخٍ. بخٍ  ..ربح البيع..ربح البيع  فاطمة سعيد.

▪ ومدينة بورتسودان هي عروس البحر وزينة الشواطئ. .العروس التي  فقدت زوجها، وترملت ..وأصبح الجميع يخشى الاقتراب منها والاقتران بها  حتى لا تصيبه  مصائب لعناتها وهي لعنات (الماء..الصحة ..الكهرباء ).. فمستوصف (سارة الطبي) يمثل واحد من لعنات صحة مدينة بورتسودان. ..مستوصف رغم فاتورة  أرقام تكاليفه الفلكية يقدم خدمات رديئة متمثلة في غرف طاردة تشكو قلة أجهزة التكييف مع تعطل مراوح دائم ،  وقذارة دورات المياه لا تصلح للاستعمال الآدمي،  والصيدلية أمرها عجب  تغلق أبوابها مساءً فيضطر مرافق المريض قطع الأميال   والفيافي ليلاً في رحلة البحث عن العلاجات والأدوية.. والمهزلة الكبرى بالمستوصف هي مشكلة المصعد الكهربائي ففي قرار غير حكيم من إدارة المستوصف الموقرة أصدرت قراراً يقضي باستخدام المصعد فقط لا يجوز إلا في وجود الاختصاصي …قرار غير موفق يعيد إلى الأذهان من جديد و مع دخول كل مريض غبن مشكلة تصنيف بغيض، ويبدو ربما أن عدوى الهامش والمركز انتقلت لديهم حتى شملت الأطباء والمرافقين.

▪ وفاطمة سعيد زهرة شيخ شريف (كُرمار) وأسطورة الدناقلة الحية وهي في حياتها كانت تتكئ في قيامها وجلوسها على أكتاف حفيدتها البارة الحنون ميثاء عوض(إن شاء الله يا ميسو يوم شكرك ما يجئ)..باسمها أشكر كل مَنْ آزرنا في محنتها ومحنتنا وفي هذا الفقد الجلل ، وهذا الرحيل المر من الأهل الأوفياء والأصدقاء الأنقياء ، فقد كانوا كلمات السند والعضد التي توحي حروفها بأن الخير باقٍ في الناس ما بقيت أمة محمد صلى الله عليه وسلم على قيد هذه الدنيا الفانية إلى زوال ..وقبل الختام أدعو الأحباء قراء هذه الزاوية (أمصال وإبر) بصالح الدعاء لوالدتي الراحلة فاطمة سعيد  وأن يسكنها الله سبحانه وتعالى فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا..و(إنا لله وإنا إليه راجعون).

▪️وفي الختام حتى الملتقي أعزائي القراء ،أسأل الله لكم اليقين الكامل بالجمال، حتى يقيكم شر الابتذال في الأشياء.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى