السودان مغلق للصيانة

أتابع هذه الأيام حملة أسفيرية يقوم بها بعض الناشطين السودانيين أطلقوا عليها شعار “السودان مغلق للصيانة”، هدفها المعلن هو إغلاق الحدود السودانية مع جيرانه وترتيب مسألة الوجود الأجنبي وما يتعلق بتهريب خيرات البلاد للخارج وبالمقابل ما يدخل من ممنوعات، كالمخدرات وتجارة البشر العابرة وغيرها من الجرائم.
في تقديري هذي صحوة شعبية مبشرة وإن جاءت متأخرة، فلا توجد دولة في العالم في يومنا هذا مفتوحة الحدود مستباحة أرضها كالسودان.. صحيح أن قدرنا أوجدنا في موقع فريد جعلنا نحاط بدول عديدة لا موانع طبيعية بيننا وبينهم.. حدود طويلة يصعب حراستها بواسطة القوات النظامية وحدها ولكن ذلك لا يمنع من وضع أساليب وطرق تحمي الحدود وذلك بتفعيل المواطن نفسه ليكون رقيبا بوجوده في المنطقة الحدودية المعينة، كذلك باستخدام التقنيات الحديثة في مراقبة وضبط الحدود بواسطة الأقمار الاصطناعية وكاميرات المراقبة.
لا حاجة لدليل يثبت أن أغلب موارد البلاد وثرواته الخام، تتسرب خارج البلاد نهارا جهارا،فالأمر معلوم للجميع، إبتداءا من تهريب المعادن النفيسة وعلى رأسها الذهب مرورا بالمحصولات الزراعية النقدية وفي مقدمتها الصمغ، إنتهاءا بالأخشاب وجلود الحيوانات ومن ضخامة الكميات المهربة، هذه الثروات صارت جزءا أصيلا وبندا رئيسا في ميزانيات بعض الدول، بل صار الخام السوداني بعد إعمال القيمة المضافة عليه، يميز تلكم الدول ويجعلها في الصدارة الإقتصادية شهرة بهذا المنتج أو ذاك كأنما هي صاحبة الخام الأصل.
فعلا السودان يحتاج لإغلاقه للصيانة.. صيانة موارده من التهريب وصيانة هويته من الضياع لكثافة الوجود الأجنبي غير المقنن.
لا توجد دولة في العالم لا تتشدد في إقامة الأجانب على أرضها، دعك من التفريط في ثرواتها لتعبث فيها أياد غير وطنية..لابد لنا من التحرر من العاطفة السائدة والعقلية المتحكمة فينا،بأننا دولة معبر تاريخيا وأننا أهل كرم خيرنا للجميع، هذه القيم مع سماحتها لا تتعامل بها الدولة القطرية الحديثة في علاقاتها مع الآخرين ، يمكن لهذه القيم أن تسود وسط المجتمع في الداخل أفرادا وجماعات، تكافلا وتراحما فيما بينهم وكذلك إكراما للضيف الأجنبي الزائر ولكن على المستوى الدولي، لابد أن تكون مصلحة السودان هي العليا في علاقاته مع كافة دول العالم، فبمثلما هم حريصون على مصالح بلادهم، يجب أن نكون نحن كذلك، بل أشد، لأنهم في حاجة إلى مواردنا.. نحن أصحاب بلاد واسعة خيراتها وفيرة، لا نحتاج أن نتكفف الدول أو تكون يدنا السفلى، ولكننا مفرطين، لذلك ثرواتنا مهدرة، بل كل يوم تدخل إلينا عبر الحدود طامة جديدة آخرها مخدر “الآيس” المميت..نصدر إليهم أسباب الحياة ويوردون إلينا أسباب الموت ومع ذلك لا زلنا نستمع لمن يتغنى بأن تلك الدولة “أخت بلادي” وذاك “شقيق بلادي” والسودان “يسع الجميع” .. نعم يجب أن تظل علاقتنا جيدة مع أشقاءنا وأصدقاءنا بتبادل المنافع وفق القنوات الرسمية سياسية كانت أو دبلوماسية بما يحفظ لكل دولة سيادتها ويصون مقدراتها البشرية والمادية،لا وفق الشعارات ودغدغة المشاعر.
يجب أن تدعم هذه المبادرة “السودان مغلق للصيانة”، دعمها ليس عاطفيا ولا بالهتافات والمهاترات والمخاشنات اللفظية على مواقع التواصل الاجتماعي ولا بتوجيه الإساءة لدولة أو شعب بعينه، الدعم المطلوب بتقويمها وتبنيها بأن تكون مشروعا وطنيا الغرض منه نهضة السودان، بتحويل شعبه ل”أمة بناءة” واعية بمصالحها حريصة على مكتسباتها، عاملة لأجل البناء والنهضة بالفكر والإنتاج الملموس وإبتكار الأساليب الحديثة لتطوير هذا الإنتاج أفقيا ورأسيا..دعم هذه المبادرة يتم بتحويلها لبرنامج عمل متكامل يتصدى له العلماء والخبراء ورجال الأعمال، كل حسب مجاله.
كثير من الدول نهضت بعد أن أغلقت الأبواب على نفسها ورتبت البيت من الداخل بالاستفادة من الموارد الذاتية، ثم انفتحت على العالم، استثمارا وتجارة ودونكم تجربة النمور الآسيوية وروسيا ما بعد الحقبة القيصرية وغيرها من الدول التي صارت متقدمة بعد أن كانت من أفقر الدول.
أغلقوا السودان للصيانة، فقد انهك جسده وتحمل فوق طاقته وأصبح رجل أفريقيا المريض.. انهك وأكثر من تسعة دول تعتاش من على ظهره، بل فاضت خزائنها من عائدات ثرواته المهربة إليها في السر والعلن والمقابل مخدرات وجرائم عابرة للحدود.. أغلقوه حتى تعود للسوداني كرامته وعزته داخل بلده، دعك من خارجها، بعد أن أستحوذ الأجانب على نصيب الأسد من ثرواته وصاروا هم السادة المتحكمين والمواطن مغلوب على أمره.. أغلقوه ليكون جواز السفر السوداني الأقوى عالميا وليس في ذيل القائمة وذلك بالتشدد في الحصول عليه والالتزام بالمعايير العالمية عند إصداره.. أغلقوه لتكون صادراتنا موجودة في كل الأسواق العالمية تحمل ديباجة أنتج أو صنع في السودان.. أغلقوه لتكون جامعاتنا في الصدارة من حيث الجودة العلمية والسمعة الطيبة ..اغلقوه ليكون الوجهة السياحية الأولى عالميا.. أغلقوه ليتقدم تكنولوجيا ويرتاد الفضاء.. أغلقوه ليكون لدينا جيش قوي.. أغلقوه ليكون لدينا قوات للأمن الداخلي مجهزة عدة وعتادا..اغلقوه ليقف السوداني أمام الدنيا جمعاء ويقول: “أنا سوداني” حقيقة لا مجازا.