أخبار عاجلةمقالات

نفير مكافحة المخدرات

 

تعرف المخدرات بأنها، “كل مادة نباتية أو مصنّعة تحتوي على عناصر منوّمة أو مسكّنة أو مفتّرة”، هذه المادة اذا استعملت لغير الأغراض الطبية، تحولت لمادة مدمرة، تذهب بالعقل وتصيب جسم الإنسان بالخمول والفتور، كما تصيب الجهاز العصبي المركزي والجهاز التنفسي والجهاز الدوري بالأمراض الخطيرة، مما يؤدي لاحقا لوفاة الإنسان.
إن تعاطي المخدرات بإستمرار يصيرها عادة لدى المتعاطي فيدخل دائرة “الإدمان” التي يصعب الفكاك منها إلا بالتدخل الطبي للعلاج منها وربما تحدث انتكاسات بعد العلاج أو إصابة المدمن بعاهة مستديمة أو مرض مزمن حتى بعد التعافي.
هناك عدة أسباب تؤدي للوقوع في براثن إدمان المخدرات، أهمها، عدم الوازع الديني “ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى”، سبب آخر هو الفراغ الناتج من التعطل عن العمل أو الدراسة وعدم الإستفادة من هذا الفراغ في الأعمال المفيدة، كالتطوع للعمل العام أو ممارسة الهوايات المفيدة، مثل الإطلاع والرياضة وغيرها من الهوايات النافعة وفي ذلك يرى الأديب” عباس محمود العقاد”، أن أوقات العمل تملكنا ولكننا نحن الذين نملك أوقات الفراغ ونتصرف فيها كما نريد، فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته ويستحق أن يحيا ويرى العقاد، أن أفرغ الناس هو الذي لا يستطيع أن يملأ ساعات فراغه.
من أسباب إدمان المخدرات أيضا، إنشغال الوالدين عن الأبناء، بسبب مشاكل الحياة المختلفة وعدم وجود الرقابة والتوجيه، فيترك الحبل على الغارب في ذهاب الإبن وإيابه من وإلى المنزل ومن ثم مرافقته لأصدقاء السوء، دون حسيب أو رقيب وفي هذا المنحى، خلص العلماء إلى أن غياب الوالدين له تأثير سلبي للغاية في سلوك الأبناء،فعدم الإهتمام بهم يقلل من الدور التربوي للأبوين، مما يفسح المجال لآخرين ليقوموا مقامهم بصورة سالبة، فالطبيعة لا تقبل الفراغ وأصدقاء السوء ومروجي المخدرات،يجدون ضالتهم عند من هم خارج سور الأسرة، فالذئب يأكل من الغنم القاصية، إن المروج كالذئب، بل أضر وأشر.
نظرا لوجود أنواع كثيرة ومختلفة من المخدرات، بالإضافة إلى تعدد التعاريف الخاصة بها،صنفت المواد المخدرة إلى أكثر من تصنيف، فهناك المخدرات “الطبيعية” وهي المأخوذة من النباتات الطبيعية مثل، “القنب” و”الخشخاش” و”القات” وغيرها وهناك المخدرات المصنعة وهي مجموعة من المخدرات المستخلصة صناعيا من النباتات مثل، “المورفين” و”الكوكايين” و”الهيرويين” ، أما أخطر صنف من المخدرات فهي المخدرات “التخليقية” والتي تنتج عن تفاعلات كيميائية وهي مخدرات جميع مراحل صنعها في المعامل من مواد كيميائية، لا يدخل فيها أي نوع من أنواع المخدرات الطبيعية وإن كانت تحدث آثارا متشابهة لها خاصة في حالة الإدمان وتكون على شكل كبسولات ومساحيق وحقن ومنها “المنومات”، “المهدئات”، ” المهلوسات”، “الأمفيتامينات” و”الباربيتورات”.
في السنوات الأخيرة زادت وتيرة إنتشار المخدرات في السودان، فبحسب تقارير رسمية لعام 2021م، كشفت عن دخول 13 ألف حالة تعاطي للمخدرات إلى مراكز معالجة الإدمان وأثبتت فحوصات طبية تعاطي الفتيات لمخدري “الترامادول” و”البنقو” بينما القليل منهن  يلجأن لـ”الآيس” وهو مخدر خطير،نشر الرعب وسط المجتمع السوداني وأرق مضجع كثير من الأسر، فالآيس أو “كريستال ميث” أو “الشامبو” كلها مرادفات لمخدر “الشيطان” ، المصنف من المخدرات قوية التأثير وتأتي بشكل مسحوق أو بلورات كريستالية،يتم استنشاقها أو تدخينها أو حقنها عبر الوريد ووفق المختصين، فإن سرعة إدمان “الآيس” تفوق سرعة إدمان الكوكايين بثلاثة أضعاف،إذ يبدأ إدمان “الآيس” بالجرعة الأولى دون المرور بمراحل التعاطي أي التعود ثم الإدمان كما مع بقية المخدرات.
الطامة الكبرى هي أن الغالبية العظمى من مدمني “الآيس” تتراوح أعمارهم بين (13 – 22 عاماً) ،كما يقول الخبراء، لافتين إلى أنه من النادر جداً تعاطي أي شخص للمخدرات قبل أو بعد هذه السن الخصبة من عمر الإنسان، فهي سن الصبا وبداية الشباب، فبضرب هذه الفئة العمرية عبر المخدرات، يعني أن جيلا كاملا سيتدمر في المستقبل القريب.
أما أبرز أعراض هذا المخدر المدمر، فتتمثل بالقلق والتوتر والحزن واليأس والإحباط والهزال وضعف الشهية وآلام العضلات والفكين والأرق الشديد والإنهاك النفسي والجسدي وانعدام الإرادة والدفع والميل لإيذاء النفس والإنتحار،
هذا مع تدني معدلات الشفاء التي تصل لحالة واحدة بين كل عشرة حالات، حسب إفادة الأطباء.
إن حالة السيولة الأمنية التي تمر بها البلاد خلال الأربعة سنوات الأخيرة،هي التي دفعت عصابات المخدرات للتوسع رأسيا في تجارتهم الحرام، فبعد أن كنا نسمع بالقبض على مروج يبيع رأسا من الحشيش وصل الأمر لإبادة مزارع كاملة وبعد أن كنا نسمع بالقبض على مسافر حاول تهريب حبوب مخدرة، أصبحنا نسمع عن مصانع مزودة بالأجهزة والمعدات المعقدة لصنع المخدرات كيميائيا داخل الأحياء في المدن والفرقان،صحيح أن هناك جهودا مقدرة تقوم بها شرطة مكافحة المخدرات بضبط كثير من التنظيمات الإجرامية التي تعمل في زراعة وتصنيع وترويج المخدرات، إلا أن ما خفي أعظم وما تم الكشف عنه ماهو إلا قمة جبل الجليد، الدليل على ذلك إستشراء حالات التعاطي والإدمان وسط قطاعات واسعة من المجتمع السوداني، خاصة فئات الشباب والطلاب، بل امتد الأمر إلى تلاميذ المدارس.
لمعالجة إنتشار المخدرات في السودان، يجب ألا يكون الحل أمنيا فقط، بل هو مسؤولية المجتمع بأكمله، لما لا يقام نفير شعبي ورسمي لمكافحة المخدرات؟! وأن يكون ذلك من أول الأولويات، فكيف لأمة مغيبة عقول شبابها أن تنهض؟!.. من المهم والضروري إشراك المجتمع ضمن هذا الجهد، ابتداء من الأسرة، مروراً بوسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية، إنتهاء بدُور العبادة وقادة الرأي والفكر وذلك ضمن مقاربة شاملة، تجسّد الوعي بمخاطر ظاهرة المخدرات والإدمان،في إطار خطة متكاملة تجعل من هذه المؤسسات المجتمعية، سلسلة لحلقات متكاملة ومترابطة، كل واحدة منها تؤدي دورا مكملا للأخرى، ليأتي في الختام دور المؤسسة الأمنية إنفاذا للقانون الرادع لكل من تسول له نفسه بنشر هذه السموم وذلك بعد المراقبة الدقيقة لثغور وتخوم البلاد بأحدث التقنيات التي تكشف أي مادة مخدرة مهما كانت نسبتها ضئيلة أو عالية عند تهريبها أو عند تعاطيها بواسطة أي شخص، هذه التقنيات والأجهزة صارت متوفرة بأسعار معقولة تصنعها شركات عالمية لديها وكلاء في كل دولة، فهي توفر الجهد وتعطي نتائج دقيقة.. ليجئ دور المؤسسات العلاجية بعد رفع كفاءتها وإجراء التحديثات عليها رفعا لطاقتها الاستيعابية لتتمكن من أداء مهامها في إعادة تأهيل المدمنين وعودتهم لممارسة حياتهم الطبيعية والقيام بأدوارهم الإيجابية وسط المجتمع.
هناك جانب آخر مهم، هو التعاون مع المنظمات الدولية ذات الصلة بمكافحة المخدرات والإستفادة من إمكانياتها، كالهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، مكتب الأمم المتحدة للمخدرات و الجريمة، الشرطة الجنائية الدولية”lnterpol”، منظمة الجمارك العالمية ومنظمة الصحة العالمية وغيرها من المؤسسات والشبكات الدولية، خاصة وأن السودان لديه إتفاقيات إقليمية ودولية في مجال مكافحة المخدرات، إذا ما استغلت هذه الإتفاقيات وهذه العلاقات الدولية جيدا، سوى في الجوانب الفنية كالتدريب أو في النواحي التمويلية لمشروعات المكافحة، يمكن للسودان أن يقضي على ظاهرة المخدرات في أقصر وقت وبأقل جهد.
إن إستقطاب الدعم الدولي لمكافحة المخدرات في السودان ليس منة من المجتمع الدولي، هو إستحقاق يحتمه موقع السودان المتميز الذي يعد بوابة أفريقيا إلى العالم وبالعكس وما يمكن أن تجعل منه المخدرات مهددا للسلم العالمي كون السودان دولة معبر لديها ساحل طويل على البحر الأحمر، مما يسهل تجارة المخدرات عابرة القارات.. إن خلو السودان من المخدرات هو صمام أمان لدول المنطقة والعالم كله، فهو يمكن أن يكون بوابة عبور للمخدرات من وإلى أفريقيا.. أما إذا أوصدت هذه البوابة أمام عصابات المخدرات، فإن أبوابا كثيرة حول العالم ستوصد تلقائيا أمامها..دعم السودان في حربه على المخدرات، يجب أن يكون شأنا دوليا، ليس محليا فحسب.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى