مقالات

المهندس احمد باجيج يكتب..بين الخشب والزينة

مواصلة للمقال السابق فان ظاهرة التحجر هذه في حد ذاتها إبداع الهي متقن يدعو للتفكر والتامل. فقد فتح  الله سبحانه وتعالى لنا بها، نافذة نطل منها على الماضي تاريخا وجغرافيا . نافذة ترينا ماذا حدث في الماضي السحيق، ومتى كان ذلك؟ وماهي الظروف الجغرافية وقتها؟ فمن من معرفة فصيل الشجرة، والطقس المناسب نموها سنعرف الطقس الذي كان سائدا، فمثلا وجود النخيل وفصائله في منطقة هي الان باردة جدا ينبئ عن طقس كان حارا وجافا سائدا فيها. و تاريخيا اي متى كان هذا فنعرفه من عمر الشجرة. ففي كل قطعة من هذا الخشب المتحجر بقية من الخشب الاصل، و الخشب مادة كربونية تحتوي على الكربون المشع نوويا Radioactive carbon. ومعلوم ان الكربون المشع ساعة نووية  في غاية الدقة ، نستطيع بها تحديد عمر الشجرة او الكائن ومعرفة   متى توقف الكائن الحي عن التنفس.
وكما تتكشف الأخشاب التي تحجرت من تحت الأنقاض بفعل عوامل التعرية الطبيعية، تنكشف ايضا بفعل حفريات من فعل الإنسان. فتظهر فوق سطح الأرض هنا وهناك . وهذا ما أدهشني بالفعل عندما شاهدت كتلا من هذا الخشب منتشرة بكثافة، وعلى طول طريق الإسفلت الذي يعبر قرية  “وادي بشارة ” بولاية نهر النيل. كنت يومها اشرف على تشييد خط كهرباء يعبر المنطقة . فشاهدت كمية كبيرة من  هذا الخشب ملقاة على  جانبي الطريق كشفت عنها أعمال الحفر والإزاحة لصنع ردميات الطريق. كمية كبيرة ملقاة و منتشرة على مدى مسافة ليست بالقصيرة على جانبي مسار الطريق. وقطعا لا يمكن ان يكون كل ما هناك هو الذي على جانبي الطريق. إنما هو إشارة إلى احتمال انتشاره في كل الاتجاهات. فالخشب المتحجر حجارة  ثقيلة لا تتأثر و لا تستجيب بسهولة لقوى الجرف والدحرجة من اماكن بعيدة بعد ان تحجرت وثقلت.
 
ومنطقة وادي بشارة ” إضافة لظاهرة الخشب المتحجر، منطقة مدهشة يطغى عليها سحر فيه كثير من وحشة . فالنيل القريب يحفها بشريط من الخضرة الممتعة بينما هي ترقد فوق بحر من الرمال التي تضفي عليها شيء من غموض الصحراء ووحشتها. وعلى التخوم تشرئب سلسلة من التلال و النتوءات الصخرية كأنها قلاع تحمي المنطقة. نقائض تجمعت في تباين فوضوي صارخ لتجسد لوحة من “السحر الموحش “. ويزيد الوحشة سحرا   لوحة طبيعية وإبداع رباني آخر، هو عبارة عن صخرة انتصبت أسفل الوادي وقد نحتتها الرياح بأزاميل الرمال حتى تجوفت و تحولت إلى  قائمين فوقهما عمود عارض. وتتجلى روعة المشهد في العمود العارض الذي يبدو وكأنه اتقن صنعه وتم إعداده في ورشة او مصنع ما ، قبل نقله ووضعه فوق القائمين بعناية وإبداع. هذا ابداع ينادي بالمحافظة عليه ويشكل مزارا سياحا عالميا ان وجد الاعلان والاشهار.
يكتسب الخشب المتحجر جماله من طيف الألوان الرائع الذي تضفيه عليه ألوان أملاح المعادن المختلفة. السيليكا أوالكوارتز هو المكون الرئيس للخشب المتحجر ومنه ياتي اللون الأبيض الناصع، ويبقى اللون ابيضا وناصعا حتى يبرز الخشب فوق سطح الأرض ويتعرض لضوء الشمس فيتحول الى اللون الأصفر أو البيجي (لون الخشب الطبيعي). اما أكاسيد الحديد فتصبغ عليه اللون الأحمر و البني . و من سلفات الحديد يكتسب اللون الأسود اللامع. الالوان الأزرق والبنفسجي تاتي من أملاح المنجنيز . و تجلب أملاح النحاس اللون الأخضر والازرق. ولبلورات الكوارتز وميض خاص يشبه تلالؤ النجوم في السماء. وهذا ما يذكرني بمشهد ثاني لابد من ذكره.
          فعلى مشارف مدينة “الكمر”  بنهر النيل ايضا، وعلى مسار ذلك الخط الكهربائي، وفي قاع حفرة كبيرة كان يرقد جزع شجرة متحجر يزيد قطره عن نصف المتر وطوله يزيد عن المتر وكان جزعا متقعرا تقعرا اسطواني الشكل يبدأ تقعره عند احد طرفيه ويمتد الى ما بعد المنتصف ، فيما يشبه مغرفة التاجر التى يغرف  بها السكر من الجوال للميزان. كان كل الجزع بلون الخشب الطبيعي عدا تجويف التقعر. فقد  كان مطليا بطبقة من أللون الأسود اللامع، وقد تناثرت فوقه حبيبات من بلورات الكوارتزالمضيئة. ليجسد منظرا لسماء سوداء مائلة للزرقة صافية ” زي الطاجن الممسوح، على قول الشاعر، ومرصعة بالنجوم.
       نحن السماء السوداء اوالزرقاء  نعرفها، ولكن من اين جاء السودانيون “بالسماء الاحمر“ الذي يتوقون للذهاب اليه كلما ضاق خلقهم؟! طبيعي لم نترك ذلك الإبداع مهمل ومرمي في العراء وبمساعدة الكرين الذي كان بصحبتنا أودعناه مبنى رئاسة شركة “ود حامد الوقفية للطاقة والاستثمار” بمدينة ود حامد. وله الآن سنين عددا، والأمل معقود أن لا يكون قد طاله ضرر.  
        يستخدم الخشب المتحجر، إلى جانب الفنون، في إعمال الزينة والديكور والأثاث. يقطع بأحجام معلومة بحجم قطع البلاط والسيراميك، ويعالج بالتجلية والصقل، وذلك لتزيين الواجهات المعمارية و الديكور الداخلي والتجليد (كلادن). و تصنع منه قطع الأثاث والزهريات، وتزيين النوافير في الميادين والحدائق العامة. و يدخل في نحت وإنتاج التحف المكتبية والمنزلية، قد يكون لنا فيه نهج جديد و إضافة حقيقية لثقافتنا الفنية والمعمارية، ارتقاء بذوقنا العام، وإثرائه برافد جديد. وما هو مبين من صور على هذه الصفحات من منتجات متنوعة يغنى عن كل سؤال .

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى