أخبار عاجلةمقالات

​أدركوا الشمالية ومزارعها.!

 

​■ كيف يزرع إنسان الشمالية وأرضه لا ترى مياه الطلمبات إلا ساعات شحيحة في اليوم، بينما ينتظر المحول البديل رحلة شاقة لقطع غيار قادمة من بورتسودان؟ هذا التساؤل المُر ليس مجرد توصيف للأزمة، بل هو إنذار ساخن تطلقه السواقي التي شققها العطش في الولاية الشمالية إلى طاولة الحكومة المركزية؛ حيث يرتبط معاش أكثر من 90% من السكان بالأرض، في وقت تحولت فيه أزمة الري من تراجع اعتيادي في مناسيب النيل، إلى ضربة قاضية طالت الإمداد الكهربائي والوقود معاً، مما يهدد بتلف نحو 40% من البساتين والمشاريع الحيوية بالولاية.
​■ شظايا الحرب وصلت الآن إلى لقمة عيش المواطن ومصادر إنتاجه؛ فحينما ضربت مسيرات المليشيا محطة دنقلا الرئيسية ودمرت محولين بالكامل، أصيب القطاع الزراعي في مفاصله، خاصة وأن الشبكة القومية فقدت نحو 70% من قدرتها الإنتاجية بسبب التخريب، بينما تحتاج البلاد فعلياً لأكثر من 3.5 جيجاوات. النتيجة المباشرة اليوم هي دخول الولاية في قطوعات متواصلة، لتدخل المشاريع في جدول إمداد شحيح وقاسٍ لا يفي بأقل احتياجات الرية الواحدة التي تنقذ المحصول من الهلاك المباشر.
​■ على الأرض، يتجرع صغار المنتجين خسائر فادحة تترجمها الديون المترصّدة؛ فالمزارع الذي أنفق شقى عمره في تجهيز فدادينه، وبات على بعد خطوات من جني ثمار تعبه، يرى اليوم خطوط الكهرباء تخذله في الأمتار الأخيرة، ليقف عاجزاً أمام زرعه وهو يجف ويتحول إلى مجرد علف للمواشي. هذا المشهد يتكرر بحذافيره في مشروع الحامداب الزراعي والجمعيات التعاونية الكبرى، حيث أدى شح المياه إلى تقليص المساحات المنتجة هذا الموسم بنسبة تتجاوز 50% مقارنة بالأعوام السابقة، مما يهدد المزارعين بالإعسار والملاحقات القضائية من البنك الزراعي.
​■ خطورة هذا العطش تتجاوز حدود الولاية لتضرب العمق الاقتصادي للبلاد؛ فالشمالية صُنفت كرهان أخير لتأمين الغذاء القومي بعد أن خرجت ولايات الإنتاج التاريخية في الجزيرة وسنار من الخدمة بسبب حرب المليشيا. وإذا تركت الحكومة المركزية مشاريع الشمالية للموت جفافاً، فإن النتيجة الحتمية هي قفزة جنونية في أسعار السلع الغذائية والخضروات بأسواق الخرطوم وبورتسودان، ما يعني أن هجرة المزارعين لأراضيهم اليوم بسبب غياب المياه هي تمهيد لكارثة مجاعة حقيقية تحاصر ما تبقى من السودانيين.
​■ في ظل هذا الشلل، يصبح التفكير في العودة إلى “وابورات الجازولين” ضرباً من الانتحار؛ فالوقود شحيح في أغلب الأحيان، وإن وُجد فإن أسعاره الفلكية قفزت بالبرميل إلى أكثر من مليوني جنيه سوداني. هذه التكلفة الباهظة تجعل تشغيل مضخات الديزل خياراً غير مجدٍ اقتصادياً، لأن قيمة الوقود المطلوبة تتجاوز القيمة السوقية للمحصول نفسه، ليجد المزارع نفسه محاصراً في زاوية ضيقة: شبكة كهرباء حكومية معطلة، وبديل ميكانيكي يحرق ما تبقى من ميزانيات الأسر المنهكة.
​■ هذا الواقع المأساوي يضع أداء الأجهزة الإدارية في قفص الاتهام، ويؤكد غياب رؤية الطوارئ؛ فالبطء الشديد في استيراد وتوصيل قطع الغيار من بورتسودان يكشف عن برود رسمي لا يتناسب مع حجم الكارثة. وعلى ذات الصعيد، تبدو المعالجات الخاصة بالطاقة الشمسية مشلولة تماماً؛ إذ يصطدم التمويل المطروح من البنك الدولي بشروط وضمانات تعجيزية تفرضها البنوك المحلية، فضلاً عن الارتفاع الباهظ في التكلفة التأسيسية للمشاريع الكبيرة، مما جعل صغار المزارعين والجمعيات عاجزين عن اغتنام هذا البديل.
​■ وقبل أيام، حمل وفد الحكومة الولائية بقيادة وزيري المالية أمير البشير، والبنى التحتية محمد سيد أحمد فقيري، هذا الملف الساخن إلى طاولة وزير الطاقة المهندس المعتصم إبراهيم. المزارع والمواطن في الشمالية يريدان اليوم أن يعرفا مخرجات هذا اللقاء المهم؛ هل أسفر عن حلول إسعافية ملموسة أم انتهى كسابقيه إلى مجرد وعود؟ فالإنسان هناك ملّ الخطابات المستهلكة عن محطات الـ 10 ميجاواط ومشاريع الربط المصري المعلقة، بينما السواقي تجف والمواسم تلفظ أنفاسها على الورق.
​■ إنقاذ الشمالية يتطلب فوراً مغادرة مربع البيانات والاجتماعات المفرغة، والتعامل بعقيدة “اقتصاد الحرب”؛ فالولاية هي خط الدفاع الغذائي الأخير. ويتعين على مجلس السيادة التدخل بأعلى مستوياته لإصدار قرار أمن قومي يقضي بتوفير المحولات بدعم حكومي مباشر، وتوجيه المصارف بتسهيل تمويل الطاقة الشمسية بلا قيود معقدة مع إعفاء مدخلاتها من الجمارك، فالأرض لن تنتظر طويلاً حتى يستفيق الجهاز الإداري من سباته، وإلا فإن البديل هو الجفاف الشامل وخروج الولاية من دائرة الإنتاج نهائياً.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى