أخبار عاجلةمقالات

الباخرة عمان.. بين الايقاف والانقاذ

*إن قرار إيقاف الباخرة “عمان”، العاملة في خط سواكن ـ جدة، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل أشعل موجة غضب واسعة وسط العاملين في قطاع النقل البحري، وفتح أبواب الأسئلة حول ما يجري داخل هذا القطاع الحيوي المرتبط مباشرة بحركة المواطنين والحجاج والمسافرين بين السودان والمملكة العربية السعودية.
*من حيث المبدأ فإن أي قرار بإيقاف سفينة ركاب يفترض أن يستند إلى تقارير فنية دقيقة ولوائح قانونية واضحة، لأن الأمر يتعلق بسلامة الأرواح وتنظيم حركة النقل البحري، لا بالأمزجة الشخصية أو تصفية الحسابات والمصالح. لكن ما حدث مع الباخرة “عمان” جاء محاطا بكثير من الغموض، في ظل غياب أي توضيح رسمي مقنع للرأي العام أو تسبيب قانوني معلن يبرر قرار الإيقاف.
*أوساط بحرية عديدة تتحدث عن “أيد خفية” داخل إدارة الرقابة البحرية دفعت باتجاه تمرير القرار خدمة لمصالح خاصة وشركات منافسة، وهو حديث ـ إن ثبتت صحته ـ يمثل كارثة حقيقية تهدد بيئة الاستثمار وتضرب الثقة في المؤسسات المسؤولة عن تنظيم القطاع البحري في السودان.
وكأن الأقدار أرادت أن تكشف حجم الظلم الذي تعرضت له “عمان”، فقد تعطلت العبارة “جود” داخل ميناء جدة، لتجد السلطات والركاب أنفسهم أمام حقيقة واضحة، المنقذ الوحيد كان الباخرة “عمان” نفسها، التي أُوقفت قبل أيام بقرار من الرقابة البحرية.
*المشهد كان كاشفا وصادما في آن واحد، فالشركة المالكة لـ”عمان” تعاملت بمهنية ومسؤولية عالية، وتحركت لإنقاذ الركاب العالقين دون النظر إلى المنافسة أو الخلافات. وهو موقف يؤكد أن إدارة الشركة تمتلك حسا وطنيا وإنسانيا قبل أي اعتبارات تجارية. والمفارقة أن مثل هذه المواقف ليست جديدة، فقد سبق لشركة “كنزي” أن قامت بالدور ذاته خلال موسم حج 1445هـ، حين تدخلت لإنقاذ موقف مشابه بعد تعثر إحدى العبارات المكلفة بنقل الحجاج.
*عدد من الركاب الذين تم نقلهم عبر “عمان” عبروا عن ارتياحهم الكبير لمستوى الخدمة والمعاملة الراقية التي وجدوها على متن الباخرة،ويقول الراكب فيصل عوض العليم النعمة أحمد، المقيم منذ عشرين عاما بالسعودية.. “كنا على متن العبارة جود، وظننا أنها ستتحرك مباشرة إلى سواكن، لكننا تفاجأنا بتوقفها. أُغلقت الكافتيريا وبقينا في حالة انتظار طويلة. في البداية كان تعامل المسؤولين جيدا، ثم تغير الوضع للأسوأ، لكن الأخوة السعوديين وفروا للناس الماء والوجبات حتى وصلت الباخرة عمان، وكان التعامل فيها راقيا ومحترما، وأي شخص يقول غير ذلك يكون ظالما وجاحدا”.
*أما محمد حسن حمدالنيل، القادم بذات الرحلة، فقال إن رحلتهم كانت يوم الثلاثاء 19 مايو، وبعد اكتمال جميع الإجراءات في ميناء جدة، تفاجأ الركاب بأن العبارة لم تتحرك من مكانها دون معرفة أسباب العطل، وظلوا في انتظار طويل منذ الصباح وحتى المساء، قبل أن يتم نقلهم إلى الباخرة “عمان” التي أقلتهم بسلام إلى ميناء سواكن.
ما حدث يعيد طرح سؤال كبير وهو هل تدار مؤسسات النقل البحري وفق معايير مهنية تحفظ حقوق الناس واستقرار القطاع، أم أن المصالح الضيقة أصبحت أقوى من القانون والمصلحة العامة؟
*إن قطاع النقل البحري لا يحتمل العبث ولا تصفية الحسابات، لأنه يرتبط مباشرة بأرواح الناس ومصالحهم، وأي قرار غير مدروس قد يتحول إلى أزمة إنسانية واقتصادية في لحظة واحدة. لذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط مراجعة قرار إيقاف “عمان”، بل فتح تحقيق شفاف يكشف للرأي العام الحقيقة كاملة، ويحدد من يقف وراء مثل هذه القرارات التي تهدد ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى