انواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار… الحلقة الثانية والثلاثون

*”مَجْدُ” فَارِس.. !*
■ ترتبط قرى هذه المنطقة من أرض الجزيرة بصلات رحم قوية، وعلاقات إنسانية قديمة ضاربة في عمق التاريخ، وتظهر قرية “فارس الكتاب” كواحدة من الروابط الجغرافية والتاريخية القريبة من بلدة “طيبة”، إذ لا تبعد عنها سوى 6 كيلومترات من الناحية الشمالية الغربية، بينما تجاورها من الغرب قريتا “ودساوي وشبرا”، مما جعل العلاقات الاجتماعية والقبلية لهذه القرى متداخلة وممتدة بقوة مع “طيبة”، حيث يتشارك الناس الأفراح والأتراح، ويتبادلون الزيارات اليومية في طمأنينة كاملة، فكانت طيبة دائماً هي السند والملجأ والملاذ الآمن لأهل جاراتها عندما تضيق بهم السبل وتقع المصائب والشدائد التي تقلب أحوال الناس جراء هذه الحرب المفروضة عليهم.
■ وفي شهر يونيو من عام 2024، مرت قرية “فارس الكتاب” بمنعطف تاريخي كبير غير ملامح الحياة فيها، حيث شهدت أشهر حادثة وملحمة بطولية في الدفاع عن الشرف والذود عن الأرض وحماية الحرمات، سطر تفاصيلها الدقيقة الشهيد مجدي إبراهيم عثمان بدمه الطاهر وروحه العزيزة، ولم تكن تلك الملحمة مجرد واقعة عابرة في يوم عادي يمر بذاكرة الناس ثم ينسى، بل كانت تجسيداً حقيقياً للنخوة والرجولة السودانية الأصيلة التي تحلى بها أبناء هذه الأرض المعطاءة، ليصبح مجدي رمزاً للشجاعة والكرامة ستتناقل الأجيال قصته وتفاصيل ثورته بوجع دفين وفخر عريض يهز القلوب.
■ وقبل ذلك اليوم الحزين الذي بكت فيه المآقي، ظلت قرية :فارس “الكتاب” ــ والتي تعرف بهذا الاسم لتمييزها جغرافياً عن فارس “الحداد” التي تقع في جنوب الجزيرة ــ هدفاً دائماً وخلفية مستباحة لهجمات “الشفشافة” من مليشيا الجنجويد، هؤلاء الأوباش الذين عاثوا في البيوت فساداً وترهيباً، واقتحموا الغرف على الآمنين، وسرقوا ممتلكات المواطنين ومدخراتهم البسيطة التي جمعوها بشقاء عمرهم، واعتقلوا الشباب الأبرياء وجلدوهم بأسواط العنج بلا رحمة أمام أمهاتهم وآبائهم، مع إطلاق الرصاص الكثيف والعشوائي في الهواء لإرهاب الأطفال والنساء، ولم يتركوا سيارة أو مركبة أو حتى وسيلة كسب عيش في القرية إلا ونهبوها بقوة السلاح الغاشم.
■ أصبح هؤلاء الأوغاد يقصدون فارس صباح مساء دون وازع من دين أو خلق، يدخلون البيوت كذئاب جائعة، لا يحترمون كبيراً في السن لشيخوخته، ولا يرحمون صغيراً لضعفه، وكانت عادتهم القبيحة التي جبلوا عليها كلما دخلوا قرية آمنة أفسدوا عيشتها ونهبوا خيراتها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وسط ديارهم، هذا الضغط المتواصل والترهيب اليومي المستمر جعل أهالي فارس الصابرين يتخذون القرار المرير بترك بيوتهم مجبرين، ويهجرون أرضهم وتاريخهم فراراً بعرضهم وأرواحهم، فكانت قرية “طيبة” القريبة هي محطتهم الأولى والأساسية التي تحضنهم، ومنها يتوجهون إلى خارج الولاية عبر مدينة القضارف، حيث بدأت رحلات السفر اليومية والحافلات السفرية تتحرك من طيبة بانتظام كل صباح، حاملةً الفارين بجلودهم.
■ وأذكر جيداً ظهر اليوم الذي سبق الحادثة المفجعة، حيث التقيت بالشهيد مجدي إبراهيم ومعه عمه جعفر عثمان بالحوش الكبير لعائلة زوجتي بطيبة، وهي عائلة تربطها صلة دم ومصاهرة وثيقة وعريقة بعائلة مجدي في فارس الكتاب، ودار بيننا حديث طويل ومستفيض حول الأوضاع المتردية والأمن المفقود في فارس، وكان مجدي يتحدث بنبرة مريحة تملأها سعادة بالغة ونفس مطمئنة بعد أن نجح في تدبير وتوفير منزل مناسب لأسرته ليستقروا فيه بطيبة بعيداً عن الخطر، وقال لي والابتسامة تعلو وجهه إنه سيذهب إلى فارس الآن لإحضارهم إلى طيبة صباح الغد الباكر ولملمة ما تبقى، وكان هذا اللقاء الودي هو آخر عهدي به في هذه الدنيا.
■ وفي ظهر اليوم التالي مباشرة، انكسر هدوء قرية “طيبة” وصمتها المهيب الذي يغلف الطرقات على صوت صراخ شديد النبرة وعويل متواصل لامرأة مكلومة، كان الصوت قادماً بوضوح من الجهة الغربية لسوق طيبة، وتحديداً من ناحية قسم الشرطة، وبسرعة ودون تفكير تدافع الناس من كل جانب، فرادى وجماعات، يركضون نحو مصدر الصوت لاستجلاء الأمر ومعرفة سبب هذه الصرخات الموجعة التي اخترقت نياط القلوب وهزت نفوس الجميع، وملأت الأجواء بالخوف والترقب من وقوع مكروه كبير قد يعصف بصفو المكان ويأتي بنبأ حزين.
■ تحركت بسرعة مع الجموع التي هرعت لمعرفة الخبر، واقتربت من مكان الصراخ لأشاهد وسط الزحام منظراً صادماً ومؤلماً لن تنساه عيني ما حييت، كان الجسد لرجل قوي مسجى بلا حراك، ومضرجاً بالدماء القانية الحارة التي تبلل ثيابه، وهو موضوع على عربة “كارو” يجرها حمار، ووقعت المفاجأة كالصاعقة فوق رأسي عندما أمعنت النظر في الملامح وعرفت أنه مجدي إبراهيم نفسه، نعم هو مجدي الذي كان يتحدث معي بالأمس القريب ويجلس بجواري مبشراً بأنه ذاهب لإحضار أسرته وبناته ليعيشوا في أمان بطيبة بعيداً عن بطش المليشيا وظلمها.
■ وكانت الفتاة التي تبكي بحرقة وتصرخ بمرارة تزلزل المكان هي ابنته الصبية وفلذة كبده، إذ كانت تصيح بصوت يقطع القلوب الجامدة ويدمي الصخر: “كتلوك يا أبوي.. كتلوك وأنا السبب.. الله.. يا أبوي!”، وفي تلك اللحظة القاسية دارت بي الأرض ولم أعد أشعر بقدمي تحملانني، وتلفت حولي مذهولاً وعقلي عاجز عن استيعاب ما جرى، وكيف تحول الوعد الجميل بالأمس مأساةً حقيقية اليوم، فتحولت الفرحة باستقرار الأسرة ونجاتها مأساةً حقيقية وصراخاً في دقائق معدودة.
■ تماسكنا رغم الدموع وحملنا جسد مجدي الطاهر بسرعة كبيرة متوجهين به نحو المدرسة الموجودة في وسط السوق، والتي تم تحويل فصولها الدراسية بجهد شعبي إلى مستشفى طوارئ ميداني منذ دخول الجنجويد وتمددهم في المنطقة، حيث كانت تدار ببسالة نادرة وتضحية من كوادر طبية مخلصة من أبناء وبنات طيبة وبعض الأطباء والممرضين النازحين من الخرطوم، والذين يعملون تحت إشراف مباشر من شيخ “الريح”، وضعنا مجدي على النقالة ودلفنا به فوراً إلى الغرفة التي خصصت للعمليات، وهي في الأصل فصل دراسي قديم تم تجهيزه بأدوات طبية بدائية، ثم طلب منا الأطباء الخروج فوراً لعمل اللازم.
■ مرت دقيقتان كأنهما دهر طويل من الزمن، وقفنا فيهما واجمين خلف الباب الحديدي وسط ترقب ودعاء وخوف شديد يملأ الصدور، حتى خرج إلينا الطبيب والحزن والأسى يملآن وجهه المنكسر ليعلن لنا نبأ وفاة مجدي واستشهاده، فقد كان كل همنا في تلك اللحظات العصيبة هو محاولة إنقاذ حياته وبث النفس فيه قبل أن نسأل عن تفاصيل الحادث وكيفيته، وعرفنا بعدها أن عمه جعفر عثمان أصيب أيضاً بطلق ناري غادر في رسغ يده الشمال أدى إلى تكسر عظامها بالكامل، بينما اخترقت رصاصة الغدر الجبانة قلب الشهيد مجدي مباشرة لتنهي حياته صاعداً لبارئه في مكانها.
■ وفي تلك الأثناء الخانقة بالمستشفى، بدأ العم المصاب جعفر عثمان، وهو يمسك يده المكسورة النازفة، يحكي للحاضرين والدموع تفر من عينيه تفاصيل الملحمة والبطولة التي خاضها الشهيد مجدي قبل قليل مع أوباش المليشيا القتلة، وقال إنه بينما كان مجدي وأسرته يهمون بجمع ملابسهم وحزم حقائبهم وأغراضهم المتبقية في الدار، ويلقون نظرة الوداع الأخيرة على جدران بيتهم تمهيداً للرحيل والنزوح نحو طيبة، اقتحمت قوة مدججة من الجنجويد المنزل بغتة، لتقطع عليهم طريق النجاة وتفسد فرحة الخروج الآمن.
■ قام أفراد المليشيا بتجميع كل من كان في البيت من أفراد العائلة داخل الحوش بقسوة وغلظة، ثم عزلوا النساء والبنات في غرفة، والرجال في غرفة أخرى، وأغلقوا الأبواب عليهم بإحكام تحت تهديد السلاح وضرب كعوب البنادق، واستمراراً في نذالتهم المتأصلة وسلوكهم القبيح البربري، بدأ بعض عناصر القوة الذين غاب وعيهم وسيطر عليهم الخمر بالتحرش بالنساء العزل والحرائر داخل الغرفة المجاورة، وعندما تجرأ أحد هؤلاء السفلة بكل وقاحة وأمر ابنة مجدي بخلع ثوبها وهددها بفوهة السلاح، صرخت الفتاة بأعلى صوتها مستغيثة بوالدها: “يااااا أبوي!”.
■ عند سماع هذا الصراخ الذي يمزق شرف رجل، تحركت النخوة السودانية الحارة وحمية الأبوة والغيرة في عروق مجدي، ولم يفكر أبداً في الموت أو فارق القوة والعواقب، بل اندفع بكامل قوته الجسدية نحو الباب الخشبي الثقيل الذي أغلقوه عليه وعلى الرجال، وبضربة واحدة من كتفه حطمه تماماً واقتلعته من مكانه، وخرج يركض كالأسد ليدافع عن عرضه وشرفه واقتحم الغرفة التي تقبع فيها النساء لحمايتهن، واندفع خلفه عمه جعفر مباشرة لمساندته ومواجهة هؤلاء الذئاب البشرية وجهاً لوجه دون خوف.
■ تفاجأ قائد المجموعة الجنجويدية بهذا الهجوم الكاسح وغير المتوقع، وارتبك وخاف اهتزازاً عندما رأى مجدي قادماً نحوه كالإعصار وهو هائج مغضب لا يرى أمامه ولا يخشى الموت، فارتعشت يد القائد المليشي الجبان وضغط على الزناد لتنطلق رصاصتان من بندقيته في رعب، استقرت إحداهما مباشرة في قلب مجدي والأخرى في رسغ عمه جعفر، ليسقط مجدي شهيداً على الأرض في وضح النهار مقبلاً غير مدبر، مدافعاً عن شرفه وعرض بناته، ومسطراً بدمائه الذكية أروع قصة شجاعة ستتناقلها الأجيال في هذه المنطقة بكثير من المهابة والتقدير.
■ وكعادتهم دائماً في كل القرى عندما يرون الدماء تسيل بغزارة ويدركون حجم المأزق وغضبة الأهالي، تحول هؤلاء القتلة إلى أجبن خلق الله، فما إن شاهدوا مجدي سقط على الأرض مضحياً بنفسه وثائراً لعرضه، حتى تملكهم الذعر الشديد فولوا هاربين يجرون أذيال الخيبة خوفاً من تجمع أهالي القرية والفتك بهم، ليوثق مجدي بموقفه هذا ملحمة فداء عظيمة في سفر معركة الكرامة، ويثبت للجميع أن العِرض والشرف دونه الأرواح والدماء، وأن الخيار الحقيقي في هذه الحياة إما أن نعيش بكرامة وفخر.. أو نموت بكرامة وشرف.
نواصل