الخالة فاطمة.. اليوم يبكيك المكان قبل الناس

*في أواخر العام 1998، كنت برفقة الزميل والصديق محي الدين شجر في رحلة عمل إلى بورتسودان، وكنا يومها نخطو خطواتنا الأولى في عالم الصحافة بصحيفة الوفاق. لم نحجز غرفة في فندق، ولم نلجأ إلى استراحة حكومية، فقد كانت أبواب ديوان العم الراحل محمد علي مفتوحة لنا كما كانت مفتوحة لكل الناس.
*كان العم محمد علي رجلا لا يشبه إلا نفسه.. بسيطا.. نبيلا.. طيب القلب، يحمل ابتسامة دافئة لا تغادر وجهه حتى في أقسى لحظات المرض. وحين رحل، ترك خلفه امرأة عظيمة في صبرها وكرمها وأصالتها، الخالة فاطمة محي الدين سوركتي، التي حملت الراية بعده، وظل بيتها عامرا بالمحبة والناس والدعوات الطيبة.
*الخالة فاطمة لم تكن مجرد امرأة تدير منزلا، بل كانت وطنا صغيرا لكل قادم إلى الشرق، وأما حانية لكل من ضاقت به الدنيا. كانت تستقبل ضيوفها بوجه مضيء وروح راضية، تتحرك بينهم بمحبة صادقة، وكأنها خلقت لتخفف عن الآخرين أوجاع الحياة.
*وامس، بينما كانت القلوب تتجه نحو عرفة،عند الواحدة والنصف فجرا صعدت روحها الطاهرة إلى السماء بعد أيام أنهكها فيها المرض.
رحلت الخالة فاطمة… ورحل معها شيء جميل من هذا العالم.
رحلت المرأة التي لم تغلق بابها في وجه محتاج، ولم تبخل بوقتها أو صحتها أو مالها على أحد. كان بيتها ملاذا للنازحين والمتعبين والعابرين، وكانت ترى في خدمة الناس شرفا ورسالة، لا منة ولا فضلا.
*كم من إنسان وجد في دارها مأوى، وكم من قلب مثقل عاد من عندها خفيفا مطمئنا، وكم من عابر حمل من طيبتها ما يكفيه ليقاوم قسوة الأيام.
اليوم يبكيها المكان قبل الناس، وتفتقدها الجدران التي عاشت فيها روح الكرم والمحبة، ويغيب ذلك الوجه الذي ظل يزرع الطمأنينة في كل من يراه.
رحلت الخالة فاطمة، وتركت خلفها سيرة لاتنتهي وذكرة ستظل ملتصقة على جدران الذاكرة، ففيها وجدت الام الحنونة والخالة العطوفة التي تتقاطر في الملمات.. لكن الأرواح النبيلة لا تموت، بل تبقى حية في ذاكرة الذين أحبوها، وفي الدعوات الصادقة التي ستلاحقها إلى قبرها، وفي الأثر الجميل الذي تركته خلفها.
*اللهم ارحمها رحمة واسعة، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة، وأكرم نزلها، واجمعها بمن أحبت في الفردوس الاعلي، مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا .وانا لله وانا إليها راجعون