أخبار عاجلةبلادي

ارقين.. ساعات المعاناة وكوليس استهداف العودة الطوعية

لوحة رسمها:مهند باعو
قبل مغادرتي نحو وطني الحبيب، كنت أتحدث مع والدي عبر الهاتف، وخلال دردشتنا أخبرته أنني أسمع كثيرا من الناس يرددون بأن رحلات لجنة الأمل للعودة الطوعية غير مريحة وتواجهها مشكلات عديدة، وأن ما ينشر في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي ليس سوى حملة ترويجية مدفوعة لتشجيع المواطنين على العودة والمساهمة في إعمار الوطن.
حينها لم يزد والدي على أن قال لي:
“امش جرب بنفسك، ولما تصل احك لي عن الرحلة.”
في بداية الرحلة، كانت الأمور تسير بصورة ممتازة، الباصات مريحة، والأجواء مريحة للغاية، حتى إنك لا تشعر بأنك في سفر طويل إلا عند أوقات الصلاة. وفي اليوم الأول تم تقديم العصائر والقهوة والفطائر للركاب، مما ترك انطباعا طيبا لدى الجميع.


لكن المشهد تغيّر تماما في اليوم الثاني، يوم عبورنا معبر أرقين قادمين من مصر إلى أرض الوطن. هناك فوجئنا بأعداد هائلة من المواطنين والأسر يفترشون الصحراء تحت أشعة الشمس الحارقة، بلا مظلات ولا أدنى مقومات الراحة، وكأن العطش والجوع والحرارة يتسابقون عليهم. عندها فقط بدأت أصدق ما كان يقال في مواقع التواصل الاجتماعي عن المعاناة والتأخير في العودة الطوعية.
سألت مشرف الرحلة الأستاذ عصمت عن موعد وصول الباصات، فجاء رده صادما رغم وضوحه:
“بعد تواصلنا مع غرفة النقل، توجد ظروف طارئة حالت دون توفير الباصات، وسيتم توفيرها غدا الأحد الساعة الثامنة مساء في تفويج جماعي.”
كانت الرسالة واضحة، لكنها بالنسبة إلينا كانت صدمة حقيقية، فقد أدركنا أننا سنقضي ساعات طويلة تحت الشمس القاسية. ومع مرور الوقت بدأ القلق يزداد، وأصبح الجميع يسألون باستمرار عن موعد وصول الباصات. بعض الركاب اضطروا لمحاولة شراء تذاكر من مالهم الخاص، لكنهم فوجئوا بأسعار خيالية، بينما تمكن آخرون من شراء تذاكرهم، إلا أنهم واجهوا ذات المماطلة بحجة أن الباصات “في الطريق”.


أما مندوب اللجنة في المعبر، محمد سري، فكان يردد باستمرار:
“الباصات قريبة… وهي الآن في محطات الوقود.”
وفي أحيان أخرى يقول إنها أصبحت في منطقة قريبة من المعبر، مستفيدا من عدم معرفة كثير من الناس بتلك المناطق، فكنا نصدق ونواصل الانتظار.
ولكسر ملل الساعات الطويلة، انشغل الناس بالأحاديث وتبادل القصص، وهنا اكتشفت الحقيقة المؤلمة، فبعض الأسر كانت عالقة منذ يومين، وأخرى منذ ثلاثة أيام، رغم أنهم دفعوا قيمة التذاكر كاملة من القاهرة إلى ولاياتهم المختلفة_ليسوا ضمن العودة الطوعية_ عندها أدركنا أن الأمر ليس مجرد تأخير عابر، بل أزمة حقيقية.
ومع مرور الوقت بدأ اليأس يتسلل إلى النفوس، حتى ظن الكثيرون أننا سنقضي العيد في المعبر. وتصاعد غضب المواطنين تجاه مندوب اللجنة، متهمين إياه بتخديرهم بالوعود المتكررة، لكنه ظل يؤكد أن الباصات ستصل عند الثامنة مساء.
وفعلا.. عند حلول الساعة الثامنة وصلت الباصات، وبدأ الناس يحملون أمتعتهم ويصعدون إليها وسط ارتياح كبير. وقتها رأيت أحد الأصدقاء الذين تعرفت عليهم أثناء الانتظار، وكان من الذين دفعوا قيمة تذاكر مباشرة إلى الخرطوم من الإسكندرية، وقد أمضى ما يقارب ثلاثة أيام في الانتظار. أخبرني حينها أنه ندم على عدم تسجيله ضمن العودة الطوعية بعدما انساق وراء حملات الانتقاد في مواقع التواصل الاجتماعي، واكتشف أنه دفع مبالغ إضافية دون أن يحقق ميزة الوصول المبكر، وكان بإمكانه أن يوفر نحو أربعة آلاف جنيه مصري، أي ما يعادل حوالي 320 ألف جنيه سوداني للفرد.
حينها أدركت أن هناك بالفعل حملة إعلامية ضخمة لتشويه صورة العودة الطوعية، وأن مشرف الرحلة كان صادقا في حديثه منذ البداية حين أكد أن الباصات ستصل في الثامنة مساء.
ورغم المعاناة التي شهدناها في المعبر، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الأعداد الكبيرة من العائدين تحتاج إلى إمكانيات ضخمة، وربما إلى ما لا يقل عن أربعين باصا يوميا حتى يتم تفريغ التكدس وإنهاء معاناة المواطنين بصورة كاملة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى