الحاج أحمد مصطفى يكتب.. ورحل حارس الذاكرة… وداعًا عثمان محمد عمر حمزة

وكأنه كُتب علينا أن نفقد في كل يوم أخًا عزيزًا وصديقًا حميمًا، وكأنه كُتب على الإذاعة السودانية أن يرحل مبدعوها الواحد تلو الآخر. فالحرب اللعينة لم تكتفِ بأن تفقدنا مباني أمنا الرؤوم، الإذاعة السودانية، بل أخذت منا أيضًا رجالها الذين صنعوا مجدها وحفظوا ذاكرتها، وصارت في كل يوم تدخل الأحزان إلى قلوبنا برحيل أحد الأحباب. فمنذ اندلاع الحرب، رحل كثيرون؛ منهم من مات في الأسر، ومنهم من أقعده المرض، ومنهم من غادر الدنيا فجأة إثر علة لم تمهله طويلًا.
وقبل ساعات حملت إلينا الأخبار نبأ رحيل الحبيب والصديق والأخ عثمان محمد عمر حمزة، الفني القدير والمسؤول عن الوثائقيات بالإذاعة السودانية. رحل عثمان وهو المؤتمن على مكتبة الإذاعة الوثائقية، والقائم على برامج مثل “إذاعة أم درمان زمان” وغيرها من الكنوز التي حفظت تاريخ السودان وذاكرته الإعلامية.
ولم يكن ارتباط عثمان بالإذاعة وليد الصدفة، فقد شب وترعرع في بيت إعلامي عريق. فوالده هو الفني القدير محمد عمر حمزة، أحد أبناء الإذاعة الذين أسهموا في مسيرتها، كما أن خاله هو الإعلامي والمعلق الرياضي المعروف الأستاذ علي الريح. لذلك كان من الطبيعي أن ينشأ عثمان عاشقًا للإذاعة، متشبعًا برسالتها، وأن يحمل الأمانة التي ورثها عن أسرته بإخلاص وتفانٍ، حتى أصبح واحدًا من حراس ذاكرتها وأمنائها.
كان عثمان عاشقًا للإذاعة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. يأتي إليها في ساعات الصباح الباكر، ولا يغادرها إلا مع حلول المساء، وكأنها بيته الحقيقي. وذات يوم مازحته قائلًا: “يا عثمان، إنت ما عندكم بيت تقعد فيه؟” فضحك ضحكته الهادئة المعهودة، وقال بكل عفوية: “الإذاعة دي بيتنا.” ولم تكن تلك مجرد عبارة عابرة، بل كانت تعبيرًا صادقًا عن رجل أحب الإذاعة وأخلص لها، ووهبها عمره وجهده، وظل وفيًا لها حتى آخر أيامه.
ولم يكن عثمان مجرد موظف يؤدي واجبه، بل كان إنسانًا دمث الأخلاق، بشوش الوجه، هادئ الطبع، محبوبًا بين زملائه. عرفه الجميع بالتواضع والإخلاص وحسن المعشر، وكان من رواد المساجد، لذلك استحق عن جدارة لقب “حمامة المسجد”؛ حاضرًا في الصلوات، عامرًا بذكر الله، قريبًا من الناس بقلبه قبل حديثه.
برحيله، فقدت الإذاعة السودانية واحدًا من أبنائها الأوفياء، وفقد زملاؤه أخًا كريمًا، وفقدت أسرته سندًا عزيزًا، وفقد كل من عرفه إنسانًا نادرًا يصعب أن يتكرر. وبرحيل أمثال عثمان، لا نفقد أشخاصًا فحسب، وإنما نفقد جزءًا من ذاكرة الوطن، وحراسًا ظلوا يعملون في صمت ليبقى تاريخ السودان محفوظًا للأجيال.
كيف نعود إلى الإذاعة؟ كيف نعود إلى ذلك المبنى الذي كان يعج بالحياة، وقد غاب عنه الذين كانوا يملأون أيامنا سعادةً ومحبةً ودفئًا؟ كيف نعبر ممراته ونفتح أبوابه، وكل زاوية فيه تذكرنا بوجهٍ رحل، أو صوتٍ غاب، أو ضحكةٍ لن تتكرر؟ لقد رحلوا الواحد تلو الآخر، وبقيت الذكريات شاهدة على زمنٍ جميل لن يعود، وبقي الحنين يثقل القلوب كلما مررنا بالمكان الذي جمعنا بهم.
نم قرير العين يا عثمان، فقد أديت رسالتك بكل أمانة وإخلاص، وستظل سيرتك الطيبة وأخلاقك النبيلة ووفاؤك للإذاعة حاضرة في قلوب كل من عرفوك.
نسأل الله أن يتغمد الفقيد عثمان محمد عمر حمزة بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه للإذاعة السودانية وللوطن في ميزان حسناته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يلهم أهله وذويه وزملاءه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.