أخبار اقتصاديةأخبار عاجلة

حين يحكم الزمن على مشروعات التنمية في كسلا

كسلا:احمد بامنت
أذكر قبل سنوات خلت حين شرع والي كسلا الأسبق محمد يوسف آدم في تنفيذ عدد من المشروعات التنموية وسط مدينة كسلا واتخذ في سبيل ذلك قرارات اثارت جدلا واسعا تمثلت في ازالة منزل الوالي وعدد من المقار الحكومية والوزارات وإعادة تشكيل اجزاء من قلب المدينة


كنت شخصيا من بين الاقلام المنتقدة لتلك الخطوة ولم يكن نقدي وقتها بلا أسباب فقد بدا لي الامر في ظاهره وكأنه إهدر للمال العام وطمس لملامح مدينة ارتبطنا بها وجدانيا، وخشيت أن تفقد كسلا شيئاً من ذاكرتها ومعالمها التي نحب ونعتز بها ونفخر ،واذكر ان تلك الخطوة واجهت يومها انتقادات حادة وصلت إلى حد الاتهام بالفساد والتلاعب.
لكن السنوات مضت وتتغير زاوية الرؤية فاليوم كلما وقفت أمام البازار وتجولت في وسط مدينة كسلا وتأملت المنطقة التي تضم منتزه التاكا الحالي، أجد نفسي مضطراً إلى إعادة تقييم ذلك الموقف القديم فقد اتضح أن الرجل بعيداً عن الجدل الذي صاحب قراراته آنذاك، كان يحمل رؤية مستقبلية لشكل المدينة .
لم تعد القضية اليوم مرتبطة بمنزل الوالي الذي أزيل، ولا بالمقار الحكومية التي اختفت من المكان وإنما بما بقي شاهداً على تلك الرؤية من مشروعات عمرانية ومباني اضافة جمالا علي جمال الوريفة بل اضحت نموذجا متقدم للاستثمار .


مضى محمد يوسف آدم إلى حال سبيله، وانتهت فترته في الحكم، وبقيت تلك المشروعات شاهدة على مرحلة من مراحل تطور كسلا. وهنا نقف علي واحدة من أهم دروس العمل العام أن بعض القرارات لا يمكن الحكم عليها بصورة عادلة إلا بعد أن يمنحها الزمن فرصة لإظهار نتائجها
واليوم يتكرر المشهد ولكن بصورة مختلفة، في عهد والي كسلا اللواء معاش الصادق محمد الأزرق، الذي يولي مشروعات البنية التحتية والطرق اهتماماً واضحاً يجد ذات الانتقاد وتلك الاتهامات تتكرر بانه يضع امر الطرق في مقدمة اولوياته ولايهتم بمعاش الناس. الا ان ما قراءته اليوم خلال جولة والي كسلا للعدد من مواقع سير عمل مشروعات الطرق بعدد من المواقع تباين ان الرجل ينشد التجويد فقد كان يتحري ويستفسر عن كافة الحوانب التي من شانها اكمال الطرق في الوقت المحدد وبالجودة المطلوبة ولهذا كان يرافقه وزير البني التحتية والتنمية العمرانية المهندس عبدالقادر محمد زين وامين عام حكومته الأستاذ عبدالخالق العمدة، ومدير إدارة الطرق والجسور المهندس كمال الزين ومدير المياه المهندس مصطفي محمد دين بجانب ممثلي شركة زادنا العالمية الجهة المنفذة للمشروعات.
وشملت الجولة طريق العامرية وحي العرب الاكشاك والسواقي الجنوبية بجانب طريق برياي .
يبدو ان الجولة لم تكن مجرد جولة للوقوف سير العمل ومعرفة معدلات التنفيذ التي تجاوزت10 كيلو من اصل 50 كيلو داخل الولاية وإنما حملت تأكيداً على أن مشروعات الطرق ينبغي أن تنفذ وفق رؤية هندسية تضمن استدامتها، إذ شدد الوالي على الالتزام بالمعايير والمواصفات الفنية والدقة في التنفيذ، بما يضمن جودة الطرق وقدرتها على الصمود وهو ما أكد وزير التخطيط العمراني والبنية التحتية أن مشروعات الطرق تأتي ضمن خطة الولاية الرامية للمضي في مسار التنمية والاعمار خدمة لمواطن الولاية


كما أكدت إدارة الطرق والجسور، بالتنسيق مع شركة زادنا العالمية، الالتزام بالجدول الزمني المحدد لإنجاز أعمال الردم والتعبيد والأسفلت وفق المواصفات الفنية المعتمدة.
وقد ينظر البعض إلى هذه المشروعات من زاوية مختلفة، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها الولاية وما صاحبها من أزمات في استحقاقات العاملين وعلى رأسهم المعلمين وهذا نقد مشروع لا ينبغي مصادرته خاصة في ظل ازمات اقتصادية طاحنة من حق الجميع ان يسألوا عن الأولويات، وأن يطالبوا الحكومة بالوفاء بالتزاماتها الأساسية.
لكنني هنا لا أكتب للدفاع عن أداء الوالي، ولا لأمنحه شهادة نجاح، وإنما أسجل شهادة تتعلق بأهمية مشروعات الطرق باعتبارها جزءاً أصيلاً من عملية التنمية وليست ترفاً يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.
فالطريق ليس مجرد إسفلت يوضع فوق الأرض فالطرق عنوان لتنمية واعمار حقيقي
نعم قد لا يشعر المواطن بالقيمة الكاملة للطرق الان لكن أثره الحقيقي يظهر مع مرور السنوات
وبالطبع، لا يعني ذلك أن ننحاز إلى الطرق على حساب التعليم أو الصحة أو معاش الناس. فالتنمية الحقيقية لا تقوم على قطاع واحد، ولا يجوز أن يصبح الاهتمام بالبنية التحتية مبرراً لتجاهل حقوق العاملين واهمال معاش الناس .
ولعل تجربتي الشخصية مع مشروع وسط مدينة كسلا تقدم درساً يستحق التأمل.
فقد كنت ذات يوم من أشد المنتقدين لقرارات بدت لي وقتها غير مفهومة، وربما رأيتها إهداراً للمال العام واعتداءً على ذاكرة المدينة. لكنني اليوم، وأنا أتجول في المكان وأرى ما آل إليه، أجد أن من الإنصاف أن أعيد النظر في ذلك الموقف.
ولهذا استطيع القول أن الحكم على المشروعات يجب أن يستند إلى نتائجها وأثرها واستدامتها،
فالتنمية لا تعني فقط أن نبني، وإنما أن نبني بصورة صحيحة وشفافة ومستدامة ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي مسؤول، وذلك أيضاً هو المقياس الذي ينبغي أن نحاكم به مشروعات التنمية.
فالوالي يذهب، والحكومة تتغير، والمسؤولون يتعاقبون، لكن الطريق الذي بُني بصورة صحيحة يبقى شاهداً على مرحلة، وخدمةً للأجيال.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى