“عدا المؤتمر الوطني”… بين الرفض البرهاني والواقع السوداني…!!

قيادي بالمؤتمر الوطني: التنظيمات السياسية الكبرى لا يمكن محوها بقرارات إدارية
حامد ممتاز: تصريحات البرهان تنم عن تجاهل متعمد لحجم تضحيات التيار الإسلامي
محلل سياسي: استبعاد الوطني سياسياً وفكرياً وشعبياً سيجعل الحوار عبثياً
د. ياسر محجوب: حديث البرهان عن «مؤامرة انقلابية» منسوبة إلى الوطني محاولة منه لتبرير الاستبعاد.
الخرطوم: رمضان محجوب
تتلاطم أمواج الأزمات العاتية بالساحة السودانية طالما واصل رئيس مجلس السيادة الانتقالي طرح رؤيته المثيرة للجدل بكافة المحافل والمناسبات السياسية، ملوحاً بشعار الإقصاء المختزل تعقيدات المشهد بمعادلة حصرية ومحدودة المعالم. إن هذا الخطاب المتردد صداه بانتظام يضع مستقبل التسوية الوطنية برمتها على المحك، وسط تقاطعات مصيرية بين رغبة السلطة بضبط إيقاع التوافق ومخاوف القوى الحية من تكريس سياسات البتر والاجتثاث. وفي هذا التقرير، تتناسل الرؤى وتقرع جرس الإنذار حول مآلات تلك الخيارات على كيان الدولة.
▪️فلاش باك… رفض برهاني مغلظ
تتسم خطابات رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بمحطة ثابتة تتكرر بكل سانحة ومحفل جامع للحديث عن آفاق التسوية السياسية، متمثلة بالعبارة الشهيرة «عدا الوطني الوطني» المترددة كعنوان رئيسي لرفض إشراك أطراف بعينها بأي عملية حوارية مقبلة. يعود أصل الخطاب لسياق معقد ترسمه ظلال الحرب العبثية التي أشعلتها المليشيا المتمردة وحاضنتها السياسية منذ أبريل 2023، وما نتج عنها من دمار مروع وتداعيات كارثية على كيان الدولة ومؤسساتها السيادية. وبتلك المعطيات، تحاول المؤسسة العسكرية موازنة معادلة الشرعية والضغوط الداخلية والخارجية عبر استبعاد رموز ومكونات محددة من المشهد السياسي المستقبلي، ملوحة بأن الدولة لن تسمح بعودة قيادات النظام السابق أو من تورطوا بتوفير الغطاء السياسي للتمرد، مع إحداث شعرة معاوية دقيقة بالتفريق بين القواعد الشعبية والقيادات التاريخية. غير أن هذا التكرار المستمر لمقولة الاستبعاد أثار عواصف من الجدل والنقاشات الحادة بأروقة النخبة السياسية، متحولاً لمحور صراع محتدم حول ما إذا كان الإقصاء مدخلاً ضرورياً لتطهير المشهد أم خطأً استراتيجياً يعيق صناعة توافق وطني حقيقي يستوعب كافة مكونات المجتمع السوداني المتداخلة.
▪️الوطني… تجاهل برهاني متعمد للتضحيات
في أول رد فعل للمؤتمر الوطني، انتقد القيادي بالحزب حامد ممتاز بشدة تصريحات رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بشأن استبعاد حزبه وقوات الدعم السريع معاً من العملية السياسية المقبلة، معتبراً هذه المساواة خطأً كارثياً وتصريحاً غير واعٍ بالواقع السياسي المعقد. وأوضح ممتاز في تصريحات أمس الأول نشرها موقع “الجزيرة نت” أن المساواة بين من وصفها بمليشيا متمردة اختطفت الدولة وشنت حرباً شرسة ضد المواطنين، وبين التيار الإسلامي الوطني العريض الذي دفع بقوادره وكوادره للقتال إلى جانب القوات المسلحة من أجل استرداد الدولة وحماية كيانها، يمثل مجانبة تامة للعدالة والإنصاف، وينم عن تجاهل متعمد لحجم التضحيات الجسيمة التي قدمتها قواعد التيار الإسلامي في مختلف الجبهات دفاعاً عن تراب الوطن وسيادته الوطنية ضد مخططات التمرد والتخريب الممنهج.

▪️رهانات دولية وإقليمية خاسرة
ويواصل القيادي بالمؤتمر الوطني حامد ممتاز حديثه قائلاً إن محاولات مغازلة جهات خارجية أو استرضاء بعض القوى السياسية عبر إطلاق مثل هذه التصريحات الاستئصالية لن تحقق أي نتائج إيجابية مرجوة، لافتاً الانتباه بذكاء إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن المجموعات الإقليمية والدولية التي يحاول البرهان استرضاءها بالرسائل المبطنة تصفه هو شخصياً بأنه ينتمي إلى المؤتمر الوطني أو يتأثر بأجندته. وأضاف أن هذه الرهانات الخاسرة تعكس فهماً قاصراً لطبيعة التعقيدات الجيوسياسية المحيطة بالبلاد، مؤكداً أن السعي الحثيث لإرضاء أطراف خارجية على حساب المكونات الوطنية الفاعلة على الأرض لن يؤدي إلا إلى مزيد من التعقيد وإضعاف موقف السلطة السيادية، بدلاً من بناء شراكات حقيقية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح العليا للدولة السودانية التي تواجه تحديات وجودية غير مسبوقة في تاريخها الحديث.
▪️بطلان سياسات الاجتثاث والإلغاء
وحذر ممتاز بلهجة شديدة من مغبة تكرار تجربة حظر حزب البعث في العراق وما ترتب عليها من نتائج كارثية تمثلت في الفراغ المؤسسي والتفكك الأمني العنيف، مؤكداً أن أي حوار سياسي مجتزأ أو خاضع لهيمنة جهة محددة سيظل معزولاً ومصيره الحتمي الفشل الذريع، ولن يقود بحال من الأحوال إلى تحقيق الاستقرار المنشود. وأشار إلى أن التاريخ المعاصر يزخر بالشواهد التي تثبت بطلان سياسات الاجتثاث والإلغاء الفوقي، مبيناً أن التنظيمات السياسية والكتل الاجتماعية الكبرى لا يمكن محوها بقرارات إدارية أو مراسيم سياسية، بل تستمر كقوى ضغط فاعلة ومؤثرة في معادلات الصراع والتسوية، مما يحتم على صانع القرار في الخرطوم التخلي عن لغة الإقصاء والتفرد بالقرار الوطني، والنزول عند رغبة العقل والمنطق عبر فتح الأبواب أمام مصالحة شاملة وحوار لا يحجر على أحد ولا يستثني إلا من تورط في إراقة الدماء.
▪️رهان الإقصاء لن يحل الأزمة
وفي سياق حديثه عن أهمية استشعار المسؤولية التاريخية في هذه المرحلة الفارقة التي تمر بها البلاد، دعا حامد ممتاز القيادة العسكرية والسياسية إلى التخلي عن سياسات الهروب إلى الأمام ومواجهة الحقائق بشجاعة تليق بحجم التضحيات المبذولة. وأكد أن استمرار الرهان على إقصاء التيار الإسلامي العريض وقواه الحية لن يحل الأزمة بل سيزيدها تعقيداً واشتعالاً، مبيناً أن بناء المستقبل يتطلب رؤية وطنية خالصة تستوعب الجميع دون تمييز أو استئصال، وترفض الخضوع للإملاءات الخارجية التي تستهدف وحدة السودان وسلامة أراضيه. وختم بالتأكيد على أن جماهير المؤتمر الوطني وقواعده العريضة ستظل صامدة ومتمسكة بحقوقها المشروعة في العمل السياسي والوطني، ولن تقبل أبداً بأن تكون خارج معادلة صنع القرار أو أن تُعامل كأهالي درك أسفل في وطن دفعوا دماءهم ثمناً لاستقلاله وسلامة مؤسساته العريقة ضد كل أشكال العدوان والعمالة.
▪️ضرورة تفادي الأخطاء المدمرة
”يُعد استبعاد المؤتمر الوطني من أي حوار سياسي مقبل خطأً استراتيجياً محتملاً، حتى لو بدا كأنه «عرف» سياسي متبع في تجارب دولية مشابهة”، هكذا بدأ الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الدكتور ياسر محجوب الحسين حديثه للعودة في رؤيته التحليلية لمقولة عدا الوطني، قبل أن يسترسل في القول بأنه، وبعد غزو عام 2003 للعراق وإسقاط نظام صدام حسين، جرى حل حزب البعث رسمياً بموجب قرار سلطة التحالف المؤقتة عبر قانون اجتثاث البعث، ثم توسّع الأمر عبر الهيئة الوطنية العليا، ورغم أنّ ذلك جاء في سياق سقوط نظام شمولي، فإنّ النتائج أظهرت أنّ استبعاد تيار سياسي واجتماعي واسع لم يُفضِ بالضرورة إلى استقرار دائم، بل أسهم في تعقيد المشهد وإذكاء نيران التوترات المستمرة التي لم تتوقف حتى اليوم، وهو ما يضع صانع القرار السوداني أمام مرآة التاريخ لتفادي ذات الأخطاء المدمرة التي تقوض ركائز الاستقرار المجتمعي والمؤسسي.

▪️«حوار طرشان» عبثي
ويضيف الدكتور ياسر محجوب الحسين أن السودان يختلف في ظروفه وطبيعة تكوينه السياسي؛ فالمؤتمر الوطني كان الحزب الحاكم منذ عام 1989 وحتى الإطاحة به في ثورة أبريل 2019. وإذا كان المقصود بالحظر هو الحزب كتنظيم سياسي حاكم سابق، فقد يكون للاستبعاد مبرر سياسي مؤقت في مرحلة الانتقال، أمّا إذا امتدّ الاستبعاد ليشمل التيار السياسي والفكري والشعبي الأوسع الذي كان المؤتمر يمثله أو يلوذ به، فإنّ ذلك يُحوّل أي حوار سوداني-سوداني إلى «حوار طرشان» عبثي، يُضعف فرص بناء توافق حقيقي شامل، ويهدد الاستقرار السياسي على المدى المتوسط والبعيد بشكل خطير، مبدياً قلقه البالغ من أن هذه السياسات تعيد إنتاج الأزمات بدلاً من حلها من جذورها وفق مقاربة موضوعية تدرك أبعاد التوازن المجتمعي الحقيقي في البلاد.
▪️محاولة لتبرير سياسة الاستبعاد
ويشير المحلّل السياسي ياسر محجوب الحسين إلى أن التصريحات التي صدرت عن الفريق أول عبد الفتاح البرهان بشأن وجود «مؤامرة انقلابية» منسوبة إلى المؤتمر الوطني تندرج في إطار محاولة واضحة لتبرير سياسة الاستبعاد والإقصاء أمام الرأي العام المحلي والدولي. والأخطر من ذلك، حسب رأيه، أنها قد تمهّد لاتخاذ إجراءات تنكيلية أو أمنية قمعية ضد قيادات سياسية وفكرية وازنة، بما يُعمّق هوة الاستقطاب بدلاً من معالجتها بالحكمة والتروي المطلوبين في مثل هذه الظروف العصيبة. ويرى محجوب أن إنهاء الأزمة السياسية الراهنة يتطلب شجاعة فائقة وحواراً شاملاً لا يستثني أحداً إلا من حمل السلاح ضد الدولة ومؤسساتها، وعلى السلطة الحاكمة أن ترتفع إلى مستوى القيادة الوطنية الجامعة، وألا تكون طرفاً في الصراع السياسي أو مصطفة مع مجموعة ضد أخرى.
▪️مراجعات هيكلية جريئة
يؤكد الدكتور ياسر محجوب الحسين في ختام حديثه للعودة أن مستقبل العمل السياسي الحزبي في السودان بحاجة ماسة إلى مراجعات هيكلية جريئة داخل الأحزاب والتنظيمات نفسها، تتضمن ترسيخ قيم الرشد السياسي، وتطبيق الديمقراطية الداخلية أولاً، والتخلي القاطع عن حمل السلاح من قبل أي جهة، واستبدال منطق القوة الغاشمة بمنطق العمل المدني والمدافعة السلمية. وحول قدرة المؤتمر الوطني على التأثير في المشهد السياسي، يوضح ياسر أن الوطني ما دام يمثل جزءاً من التيار الإسلامي العريض، أو يرتبط بشبكة واسعة من الكوادر لها حضور راسخ في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، فإنه يظل قوة ذات تأثير محتمل في أي مسار يستهدف الاستقرار، وإن استبعاده الكامل لا يلغيه أبداً بقدر ما يحوله إلى عامل ضغط خفي ومصدر توتر مستمر يعيق مسيرة الدولة.
▪️قراءة عميقة وموضوعية
مثلت الإفادات أعلاه قراءة عميقة وموضوعية لتداعيات مقولة «عدا الوطني» التي يتردد صداها في خطابات رئيس مجلس السيادة الانتقالي، مسلطة الضوء على المخاطر الاستراتيجية المترتبة على انتهاج سياسات الإقصاء الشامل للمكونات السياسية والاجتماعية الكبرى. وقد عكس التقرير تباين الرؤى عبر تحليلات معمقة ومواقف معلنة لكل من القيادي بالمؤتمر الوطني حامد ممتاز والمحلل السياسي الدكتور ياسر محجوب الحسين، حيث حذر الأول من المساواة الكارثية بين التيار الإسلامي والمليشيات المستبدة، بينما نبه الثاني إلى الدروس المستفادة من التجربة العراقية وخطورة تحويل الحوار إلى منصة لإقصاء التيارات الواسعة. وفي الخلاصة، تؤكد الإفادات الواردة أن مخرج السودان الوحيد من نفق الأزمة الراهنة يكمن في التخلي عن لغة الخصومة والانتقائية، وإطلاق حوار وطني جامع وشامل لا يستثني سوى من أشهر السلاح في وجه الدولة ومؤسساتها، تمهيداً لبناء مستقبل مستدام يقوم على العدالة والشراكة الوطنية الحقيقية التي تسع جميع أبناء الوطن دون تمييز أو استئصال.