كسلا.. استثمار الخريف

*في كسلا.. لم يعد الخريف مجرد موسم عابر تتساقط فيه الأمطار ثم تنتهي الحكاية بفتح مصرف هنا وردم حفرة هناك. فالخريف، في مدينة ظلت المياه تختبر بنيتها التحتية عاما بعد عام، أصبح امتحانا حقيقيا لقدرة الدولة على أن تحول الأزمات المتكررة إلى فرص لإعادة بناء ما تهدم، وتصحيح ما اختل، ووضع حلول لا تنتهي بانتهاء السحابة.
*من هنا تأتي أهمية ما تنفذه محلية كسلا تحت مظلة «الخريف الآمن 2026».. فالمشهد هذه المرة لا يبدو كحملة طوارئ موسمية، وإنما كاتجاه واضح نحو معالجة أصل المشكلة.
380 مليون جنيه للمرحلة الأولى، وأكثر من 40 عبارة، وكباري وطرق وردميات ومصارف.. أرقام تقول إن كسلا بدأت تتعامل مع مياه الأمطار باعتبارها قضية بنية تحتية، لا مجرد حالة طوارئ.
*وعندما تنفق المحلية نحو 3.4 مليار جنيه على مشروعات المصارف خلال عامين، فإن السؤال لم يعد.. ماذا سنفعل عندما تهطل الأمطار؟ بل أصبح: كيف نجعل المدينة مستعدة قبل أن تهطل؟
وهنا تكمن قيمة التحول.
*فالدولة التي تنتظر المطر حتى تبدأ في البحث عن المصارف، تشبه من ينتظر الفيضان ليبحث عن السد. أما الدولة التي تبني قبل الخطر، فهي التي تفهم معنى التخطيط.
*كسلا اليوم تحتاج إلى أكثر من عبارات وكبار، تحتاج إلى فلسفة جديدة في إدارة المدينة. تحتاج إلى أن تتحول مشروعات الخريف من بنود في ميزانية موسمية إلى جزء أصيل من التخطيط العمراني، لأن المدينة التي تتوسع دون شبكة تصريف حديثة إنما تؤجل أزمتها إلى موسم الأمطار القادم.
والأهم من حجم الأموال هو أين تذهب، وكيف تنفذ، ومتى تظهر نتائجها على الأرض.
*حسنا.. ان الاموال المخصصة للمرحلة الأولى من مشروع العبارات ليست مجرد رقم في دفتر الحسابات، وإنما مسؤولية أمام مواطن ظل يدفع ثمن الخريف من ماله ووقته وطمأنينته. وكل كبري يبنى في موقعه الصحيح، وكل عبارة تنشأ وفق دراسة هندسية، وكل مصرف يؤهل قبل هطول المطر، يعني طريقا لا ينقطع، وحيا لا تغمره المياه، ومرفقا لا يتعطل.
* إن نجاح «الخريف الآمن» لن يقاس بعدد العبارات التي تم تركيبها، ولا بحجم الأموال التي أنفقت، وإنما بالسؤال البسيط الذي سيطرحه المواطن عندما تهطل السماء.. هل بقيت كسلا واقفة؟
إذا كانت الإجابة نعم، فقد نجحت الخطة.
أما إذا ظلت المياه تعيد المشهد القديم، وتغلق الطرق، وتحاصر الأحياء، وتعطل حركة الناس، فإن الأرقام مهما كبرت ستظل مجرد أرقام.
*كسلا تستحق أن تدخل الخريف وهي مطمئنة، لا وهي تنتظر المفاجأة.
والخريف لا يحتاج إلى خطب كثيرة.. يحتاج إلى مصارف تعمل، وعبارات تؤدي وظيفتها، وكبار لا يغرق، وطريق لا ينقطع.
إنها معركة من نوع آخر.. معركة بين التخطيط والفوضى، وبين الحل الجذري والمسكن المؤقت.
*إن أحسنت كسلا استثمار هذه اللحظة، فقد يكون خريف 2026 ليس مجرد موسم أمطار، بل بداية موسم جديد في تاريخ المدينة.. موسم البنية التحتية التي تسبق الخطر ولا تنتظره.