د. محمد بشير عبادي يكتب.. حين صار الدم وقوداً للآلة

في زمن يُحتفى فيه بالثورة الصناعية الرابعة،ثورة التحول الرقمي والتكنولوجي الذي يدمج بين العالم المادي والرقمي وبآلات تتعلم وتتخذ القرار وتنتج بلا كلل “الروبوتات” نموذجا، تقف المفارقة شاهدة على إنحراف خطير في ميزان القيم،إذ صار الإنسان وقوداً للآلة لا غاية لها.
تحولت نظرة المنظومة الاقتصادية للإنسان من كونه مركز الحضارة وغايتها إلى مجرد “مدخل إنتاج” خاضع لمعادلات الكفاءة وتقليص التكلفة،لم يعد السؤال: كيف نُحسن حياة العامل؟ بل صار: كم يمكن استخلاصه من الجسد البشري قبل استبداله؟ فتراجعت صورة الإنسان من عنوان للعمران والبناء إلى ترس يدور في منظومة لا ترى إلا المخرجات والأرقام.
تتجلى هذه الوحشية في منطق إستهلاكي مقلوب،في مواقع إنتاج كثيرة تُترك الآلات الحديثة بلا تشغيل حفاظاً على عمرها الافتراضي وتكلفة صيانتها وفي المقابل يُدفع بالعامل البشري إلى أقصى طاقة جسدية ممكنة، عبر مناوبات عمل ممتدة وظروف بيئية قاسية ومخاطر مهنية عالية وبمقابل زهيد،لتكون النتيجة معادلة باردة، الآلة تُصان لأنها مكلفة والإنسان يُستهلك لأنه متوفر.
ويزيد الطين بلة استثمار هشاشة سوق العمل،حيث تستفيد بعض الكيانات من معدلات البطالة والفقر لاستقطاب أيد عاملة بأجور متدنية وعقود مؤقتة وتأمين اجتماعي غائب، تُقاس القيمة هنا بالوحدة الزمنية للإنتاج لا بكرامة من ينتج ويتحول العمل من فعل شريف يحقق الذات ويضمن العيش الكريم إلى عبء بدني ونفسي يستنزف الصحة ويُفقد المعنى وفي غياب حماية تشريعية صارمة ورقابة فاعلة، تتحول هذه الممارسات من استثناء إلى قاعدة.
من منظور علم “الإجتماع الاقتصادي” الذي يدرس الروابط بين الأنشطة الإقتصادية والمجتمع،يعتبر ما يحدث في مدنية اليوم ليس تقدماً،التقدم مؤشر مركب يقيس الناتج جنباً إلى جنب مع جودة الحياة وعدالة التوزيع وصون الكرامة،أما اختزال الإنسان إلى دالة إنتاج فهو انتكاس حضاري،فالآلة وُجدت لتوسيع قدرة الإنسان وتحريره من المشقة، لا لتحويله إلى امتداد ميكانيكي يُستبدل عند التآكل.
العلاج يبدأ بإعادة الاعتبار للبعد الإنساني في صلب السياسات، يتطلب الأمر تشريعات ملزمة بأجر عادل يراعي تكلفة المعيشة وتأمين شامل يغطي الصحة والحوادث والتقاعد وساعات عمل تحترم حدود الطاقة البشرية وتعويضات تليق بحجم المخاطرة التي قد تصل إلى فقدان الصحة أو الحياة،كما يتطلب ثقافة مؤسسية تعيد تعريف الموظف من “نفقة” إلى “أصل استثماري طويل الأجل” ولا يقل أهمية، وعي مجتمعي ومستهلك يرفض المنتج الرخيص المبني على استنزاف البشر ويدرك أن وراء كل سلعة منخفضة الثمن ثمناً بشرياً مدفوعاً سلفاً.
إذا استمر هذا المسار، فالمآل عالم ذكي ومترف في ظاهره، لكنه خاوٍ في جوهره،عالم تتقن فيه الآلات الإنتاج وتفشل فيه المنظومة في صون الإنسان.
الإنسان ليس سلعة،الإنسان هو الغاية.