أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. السودان على المحك..قيم تنهار ورموز تُشيطن

 

لا تسقط الأمم بانهيار بناياتها وطرقها وجسورها وإنما بانهيار المعنى الذي يربط أبناءها بالقيم التي تحميهم وفي السودان صار المشهد اليومي حافلََا بما ينذر بالخطر، شحنات مخدرات تضبط في الطرقات، جرائم مخلة بالآداب تتصدر الأخبار، عنف بلا مبرر في الشوارع وخطاب عام يسخر من كل ما كان مقدسََا، هذه ليست حوادث متفرقة، بل هي فصول في معركة واحدة هدفها تفكيك المجتمع من الداخل.

إن ما يجري لا يفسر بالفقر والحرب وحدهما، فالمحن مرت على شعوب كثيرة وظلت متماسكة،الأمر يتعلق بتفكك أدوات الضبط التي كانت تحفظ التوازن، أسرة تشتت بالنزوح والهجرة، ومدرسة أفرغت من دورها التربوي، وإعلام تخلى عن التوجيه، وقانون تأخرت عدالته ففقد هيبته وعندما يغيب الرادع الداخلي والخارجي معََا، يجد الشاب نفسه في فراغ قاتل، لا عمل ينتظره ولا مستقبل يطمئنه، فيبحث عن مخدر يهرب به من الواقع، أو عن طريق سريع للمال ولو عبر جريمة.

إن أخطر ما يواجه المجتمع هو تحول المخدرات إلى تجارة عابرة للقارات تدر المليارات، لم تعد المسألة مواد محلية فقط، بل دخلت أنواع فتاكة ك”الآيس” و”الترامادول” تباع في المدارس والجامعات بأسعار زهيدة لإغواء الشباب وهذا ليس صدفة سوق، فموقع السودان وحدوده الطويلة وحالة السيولة الأمنية جعلت منه ممرََا استراتيجيََا لتجارة الموت، هناك أيادٍ إقليمية ودولية تدرك أن إغراق شعب في الإدمان أضمن من إسقاطه بالسلاح، فالمجتمع الغارق في المخدر لا يزرع ولا يصنع ولا يبني، ويتحول إلى عبء وسوق مستهلك ودولة تنتظر الإغاثة.

وبالتوازي مع هذا الغزو المادي، جاءت حملة ممنهجة لهدم الرموز،استُهدف العلماء والفقهاء والأئمة والدعاة بتشويه متعمد، لا لإصلاح الخطاب، بل لإسقاط فكرة المرجعية نفسها،صار من ينادي بالحلال والحرام متهماً بالتخلف ومن يتحدث عن الأسرة متهماً بالتشدد ومن يذكر بالآخرة متهماً بالتجارة بالدين.

استُخدمت المنصات لتعميم الزلة الفردية وتضخيمها حتى يصدق الناس أن كل من على المنبر منافق والهدف كان واضحََا، إذا سقطت الثقة في العالم سقطت الفتوى، وإذا سقطت الفتوى ضاع الميزان، وإذا ضاع الميزان صار كل شيء مباحََا،فلا يمكن الترويج للرذيلة واللامبالاة في مجتمع ما زال يحترم إمامه ويستفتي عالمه، لذلك كان لا بد من كسر هذا الحاجز حتى يصبح المؤثر المأجور وتاجر المخدرات هم المراجع الجديدة.

والنتيجة أننا لا نواجه أزمة اقتصاد فقط، بل أزمة إنسان، فالمخدر يقتل الطاقة والجريمة تهز الثقة وشيطنة الرموز تفقد البوصلة والمجتمع الذي ليس له القدرة على التمييز بين الحلال والحرام وبين العيب والمقبول، هو مجتمع حكم على نفسه بالفناء حتى لو امتلك كل الموارد.

للخروج من هذا النفق لا يكون الأمر بإجراءات أمنية فقط، وإن كانت ضرورية وحاسمة،إنما يحتاج إلى إعادة بناء السياج الأخلاقي، بمناهج تعليمية وتربوية تعيد معنى الوطن والكرامة والعمل وبإعلام يبشر بقيم المجتمع السمحة وكريم عاداته وبهويته الثقافية الراسخة وبعدالة ناجزة تضرب بيد من حديد على رؤوس تجار المخدرات ومروجي الرذيلة،كما نحتاج إلى استعادة هيبة الكلمة، عبر علماء ربانيون لا يخشون في الحق لومة لائم وأسرة تعيد للشيخ والفقيه مكانته ووعي يفرق بين النقد المشروع وبين الشيطنة التي هي مشروع تدمير.

السودان اليوم في معركة وجود،فإما أن نستعيد بوصلتنا الأخلاقية ونحمي رموزنا ونحصن شبابنا وإما أن نبني كل الطرق والسدود وشاهق المباني،ثم نكتشف أننا خسرنا الإنسان وحينها لا قيمة لبناء بلا باني.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى