أخبار عاجلةمقالات

*عبد القادر دقاش يكتب..السودان مابين الهوية والعبودية*

عندما نسب الباحث الدكتور سليمان يحيى، الخليفة عبد الله التعايشي إلى قبيلة الفلاته -في محاولة للربط بينه وبين نبوءة عثمان دان فوديو المصلح الديني في نيجيريا بظهور المهدي في دار صباح- جاءه نفر من قبيلة التعايشة مغاضبين وهموا بالاعتداء عليه مؤكدين على أصالة الخليفة وانتمائه إلى أقحاح العرب إن لم يكن من أشرافهم. لم يأت (الدكتور يحيى) بكلام من عنده بل هو ما ذكره المؤرخ نعوم شقير وألمح إليه أبو سليم في كتابه الخصومة في مهدية السودان. وقد تعرض الدكتور مكي شبيكة لعدوان مماثل بالأيدي في بعض ما كتبه في كتابه الموسوم بالسودان عبر القرون، حسب رواية القدال في كتابه الانتماء والاغتراب.
يبين السلوك العدائي اللفظي والجسدي في مسائل علمية أو تاريخية ثقافية، أن في كل واحد منا شخص جاهلي، وفي مضمر كل واحد منا جاهلية من نوع ما، تخلط بين شروط المحبة وقيم التواصل وبين نوازع الغطرسة والتعالي، لذلك فالقبيلة هي سؤال أخلاقي بالدرجة الأولى، سؤال بين الثقافة والتاريخ والشرط البشري من جهة، وبين أدجلة هذه الثقافة وتحويلها إلى قانون عرقي وعناصري تفاضلي، وإن كان الأصل هو التكوين الطبيعي الضروري لحياة البشر.
كما يشير التراشق بالألسنة وأسنة الأقلام على أن السودانيين تتنازعهم عبوديتان هما، الهوية المزدوجة والثقافة المتخيلة على أن تمسك بعض السودانيين بهويتهم المزودجة لا يخرجهم من الاعتقاد الراسخ في الثقافة العربية الإسلامية بأن السودان أمة من الزنوج مفرطين في الحمق والغباء وموصوفين بغلظ الحس والشعور وفساد المزاج والتكوين، حسب ما ذكره الجاحظ في كتابه (الحيوان). ومما جاء في كتاب الجاحظ أن الامم المتحضرة أربع: العرب، والفرس، والروم، والهند، وهم من ينقل عنهم الأخلاق والآداب والحكم والعلم. وبهذا يفترض أن عقول الزنج وأشباه الزنج في طبقة دون عقول تلك الأمم ف”عقول سودان الناس وحمرانهم دون عقول السمر” ويقصد بالسمر العرب والفرس أو أهل أقليم بابل بصورة عامة. والجاحظ لا يختلف عن أي عالم عربي كتب عن السودان في تلك العصور من الذين يرون الزنج قوم سخنت بلادهم فأحرقتهم الأرحام! ولا يعفى من مثل هذه التعريفات حتى السيوطي وابن الجوزي، ولم يخفف كثير منهم من سخريته إلا عندما رأووا جماعة من أخيار الأحباش تنكسر قلوبهم لأجل أسوداد ألوانهم فأعلموهم أن الاعتبار بالإحسان لا بالصور الحسان ووضع ابن الجوزي كتاب في ذكر فضل كثير من الحبش والسودان. ومما يذكره الجاحظ في (فخر السودان على البيضان) أن السودان أناس طيبون أسخياء وهذه الخصلة كانت دليلا على ضعف عقولهم وقصر رؤيتهم و جهلهم بعواقب الأمور.
لم يكن أحد من السودان راضيا عن التمثيل الذي شكلته الثقافة العربية عن الأسود وثقافته غير أن بعض هؤلاء وقع في حبائل هذا التمثيل فأعاد انتاجه في الوقت الذي يحسب أنه يعارضه أو يتجاوزه. فهو وإن رفض هذا التمثيل إلا أنه واقع تحت هيمنته.
إن مقاومة التمثيل الذي مارسته الثقافة العربية على الأسود لم يظهر في الرفض والاصطدام المباشر مع هذا التمثيل،بل إن مؤشرات هذه المقاومة تكمن في هوية هؤلاء الثقافية التي كانت تعيش حالة من النزاع والتمزق بين ذاتين أو هويتين لم يكن مسموحا لهما بالاندماج والتوافق بصورة مكتملة وهما هوية الأسود، وهوية العربي. إنها هوية مزودجة وتعيش حالة من التمزق الذي تختلف حدته من شخص إلى آخر. فالواحد منهم يعي أنه أسود، وهو في الوقت ذاته يسعى لأن يكون عربيا، وهو وإن رغب في التجرد من هويته السوداء إلا أن ذلك مطلب بعيد المنال فسواده علامة محفورة في بدنه تشير إلى أنه أسود، وهو كذلك لا يرغب في التجرد من عروبته التي اكتسبها بالتنشئة والعيش في ثقافة عربية أو بالانتماء إلى عرق عربي (عرب ممزوجة بدم الزنوج الحارة) وهذا النوع من أشكال المقاومة يسعى إلى خلق وضعية متخيلة تسمح للمرء بأن يكون (حبشيا أو نوبيا أو زنجيا) وعربيا في الوقت ذاته. لذلك من السهل أن يتحرر الأسود من العبودية الاجتماعية، لكنه يصعب عليه التحرر من قيود العبودية الثقافية المتخيلة.
ما رواه الجاحظ آنفا لم يخص السودان القطر الجغرافي الحالي وحده بل يشمل عددا آخر من الدول الافريقية التي تشترك معه في السواد، لكن ما يميز السودان هو أزدواجية الهوية والانقسام النفسي والجسدي لأهله في تخيلهم الثقافي، فهناك عدد لا يستهان به من المثقفين السودانيين-فضلا عن الانقسام الثقافي والأدبي والفكري الذي انتج مدارس مختلفة ومتباينة- يمارسون ذات الثقافة المتخيلة التي تعزز التمايز بين السودانيين يقول الدكتور خالد المبارك (هل كان دخول العرب للسودان قبل وبعد الإسلام مصدر تعاسة وشقاق؟ ويجيب: كلا فقد أتوا بمهارات وقدرات وحرف وصنائع متقدمة) وهذا الكلام يفنده الدكتور النور حمد في كتابه بنية العقل الرعوي، يقول حمد: لم يفد إلى السودان المتحضرون من العرب والمسلمين، وإنما وفد إليه الرعاة البدويون الذين عاشوا قبل مجيئهم على مبعدة من مراكز الحضارة الإسلامية، ما جعلهم لا يتأثرون كثيرا بقيمها. بل يمكن القول دون أدنى تردد، إن ما جلبته نوعية العرب الذين وفدوا إلى السودان، كان قيما تمت للحقبة الجاهلية، أكثر من كونها تمت بالصلة للإسلام. ويرى حمد: إن هذه القبائل الوافدة هي التي هدمت حضارة النوبة وأبدلت عقلهم المديني بعقل رعوي، به اضمحل العمران النوبي المستقر منذ آلاف السنين، إلا قليلا.
ويؤكد حمد: أنه لا مجال البته إلى القول إن غزوة ابن أبي السرح وما سبقها من غزوات منذ غزوة عقبة بن نافع الفهري لبلاد النوبة في ولاية عمرو بن العاص لمصر هي التي بعثت نور الإسلام إلى النوبة. فقد كان الهدف الاساسي من هذه الغزوات هو التوسع والاسترقاق. ويحفل التاريخ العربي بكثير من النصوص عن ظاهرة الاسترقاق في السودان، منها روايات الادريسي حول استرقاق العرب للنوبة وتغنيه بجمال فتياتهن السبايا، وفي السودان الغربي روايات التونسي حول استرقاق سلاطين الفور لقبائل الفرتيت، وفي السودان الشرقي روايات ابن المجاور عن الرق في عدن. إضافة إلى استعانة خورشيد باشا بزعماء العرب في منطقة الدندر على رأسهم شيخهم سليمان أبو روف لغزو قبائل الانقسنا المسلمة في شمال فازوغلي والشلك الوثنيين في منطقة فاشودة لابتعاثهم إلى مصر وتركيا إما كجنود أو كخدم في المنازل أو كرقيق زراعي في عهد الخديوي. وظلت تلك الممارسات قائمة طوال التركية وخلال المهدية، حتى أوغل في النخاسة بعض الأمراء مثل النور عنقرة وعبد الحليم ود مساعد.
بيد أن التمييز العنصري للسودانين الذي عمقه الحكم التركي بعد أن استشترت فيه ظاهرة الاسترقاق، يعود إلى المجتمع الاقطاعي السناري الذي كان يميز بين الشعب المنضوية تحت لوائه على أساس عرقي، ويشير المؤرخ سبولدنق إلى ظاهرة انتقاء الأسماء كمظهر من مظاهر التمييز الاجتماعي بين طوائف المجتمع في سنار، فحين كانت الأسماء المتداولة بين النخب الحاكمة (الفونج) أسماء مثل عجيب وبادي وعمارة وعدلان وبين النبلاء (الأرابيبب) أسماء مثل أبي زيد وعلي وعبد الله وبين العامة أسماء مثل بلة وبر وكمير كانت أسماء (العبيد) المسلمين توحي بأنهم في أفاءة الله على أصحابهم مثل: الله جابو، فضل المولى، رزق الله، أو توحي بأنهم عطاء جاد به الملوك والنبلاء لصنائعهم في الطبقة الوسطى مثل: خير السيد وقسم السيد وعبد السيد. واستمر هذا الحال زمانا يتعامل فيه السادة مع العبيد كأشياء ولهذا ظلوا يطلقون عليهم أسماء الأشياء مثل أسماء الأيام (خميس، جمعة، سبت) أو أسماء الشهور (رجب، شعبان، رمضان) أو أسماء الحجارة الكريمة وغير الكريمة (مرجان، ياقوت، ألماظ).
ومن التمايز الذي عمقه الأتراك هو ما أخذت به الوثائق الإدارية الرسمية التي كانت تنسب السكان من العرب والنوبة إلى أصولهم القبلية في الوقت التي كانت تطلق فيه على ذوي الأصول الزنجية المحضة نعت “سوداني” وظل ذلك الحال حتى صدور قانون تعريف من هو السوداني في عام 1948، والذي أصبح أساسا لقانون الجنسية لعام 1957. لكن القوانين لا تملك القدرة على ألغاء النسق المضمر المتمكن والمنغرس في الثقافة العربية القديمة أو محو الآثار النفسية التي أصابت الدماء الممزوجة وغير الممزوجة مما تعاني منه، لأن هذا أمر يحتاج إلى جهد نقدي كثيف ومتواصل.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى