*عبدالحفيظ مريود يكتب..حراس الموتي*

بدون زعل…
صادفتنا الذكرى الثانية لاستقلال جنوب السودان، ونحن نعالج وثائقيا لقناة الجزيرة في جوبا، حول التمزق الاجتماعي للأسر المكونة من أبوين : شمالي وجنوبي. كانت سبل التفاهمات بين الحكوميين خشنة بعض الشيئ.. الكثير من العنت يملأ أمخاخ السياسيين، ويوسع فتحات النخرين، وهم يبحثون في “المسائل العالقة ” : الحدود، الحريات الأربع، رسوم عبور النفط وغيرها… مثل زوجين تطلقا كارهين لبعضهما، ويريد كل واحد أن يجعل الاخر أكثر ألما.
المهم…
في ميدان الاحتفالات يقبع ضريح د. جون قرنق.. يقف على جوانبه الأربعة حراس مسلحون. يزوره الناس، يضعون أكاليل الورد، يترحمون، يتلون صلوات ويلتقطون صورا تذكارية.. والشمس توشك ان تغيب، وثمة انفضاض للحضور، ولغط، كنت على مقربة من الضريح، وكانت ساعة إغلاق الزيارة قد حانت ( أظنها السادسة مساء)، أتى شابان يريد أحدهما ان يلتقط له الآخر صورة على خلفية الضريح.. انتهره أحد الحراس الأربعة، موضحا ان الوقت انتهى.. الشاب حاول أن يقنعه بأنه لا ينوي الزيارة، لا يحمل وردا ولا يريد أن يتلو صلوات.. يريد فقط أن “يتصور”… احتد الحارس وعنف الشاب، طاردا اياهما : ” أمش يا زول… إنت بليد وللا شنو؟”…
والشابان مغادران، بالقرب مني، أراد المحتج منهما أن يرد الإهانة للحارس، التفت إليه، وهما يبتعدان، وبصوت عال “بليد أنا… وللا بليد إنت الحارس ليك زول ميت؟!!!”..
شايف كيف؟
لو ضحكت ضحكتي المجلجلة، التى أعرفها فربما أبيت ليلتي سجينا في” كونتينر”، مع أن الجنوبيين يتعاملون معي ك “خواجة يوغندي او كيني”، إلى درجة ان الواحد يحادثني بالإنجليزية، ويحادث الزميل والصديق عادل فارس بالعربية..
شايف كيف؟
ذات مرة رددت على أحدهم بالعربي فنط مخلوعا “انت بعرف أربي؟؟ طيب خاليني من قبيل بعوج كشمي بانقليزي ليه ياخ؟” وذلك لأنني – في الغالب أحلق شاربي، ورأسي وأعتمر قبعة من الجينز – أمعن في التضليل..
المهم..
في “العكة” المدلهمة هذه، تذكرت رد الشاب الجنوبسوداني على الحارس.. وفكرت : ألسنا اليوم – جميعا – حراسا للموتي في السودان؟ على مستوى إنتاج الفكر السياسي، الاجتماعي، الديني حتى : ثمة صنفان من الاحزاب : طائفية تقليدية ( الأمة والاتحادي) ، جوهريا لا يستطيع الواحد منهما ان يعيش خارج فضاء الموتى، حتى ولو كان يحمل شهادات عالية من أرقى المؤسسات التعليمية.. فالحزبان لا مقولات فكرية سياسية لهما. ذاك قام على “السودان للسودانيبن” ، فى مقابل دعوى الآخر للاتحاد مع مصر… ثم لا شيئ… حتى عندما يتشققان، مثل “سفنجة الشحاد” لا تحمل القطعة “المنشفة” ملامح جديدة.. يكون اختلافها على موقف سياسي فرعي، لا أكثر، وهو ليس اختلافا بالمفهوم البنيوي…
شايف كيف؟
الاحزاب الحديثة، غير التقليدية الكبيرة : الشيوعي حارس موتى بامتياز… إلى درجة أنه “ساكن المقابر عدييييل”.. ليس فقط في تبني الماركسية، وإنما في تصور أنه يتوجب أعادة عقارب الساعة إلى الوراء… “تقدمي بأدوات شغل تأريخيّة”.. طبقة عاملة، فائض قيمة، برجوازية، دكتاتورية بروليتاريا، ونوع كلام كدا ما شغال معانا، ك “ناس نيالا”، طبعا.
الاسلاميون كان لديهم شخص وحيد قادر على الرؤية، هو حسن الترابي.. يمتلك رؤية شاملة مكتوبة وقدرة على صناعة وتمرير “الأهداف”… الجماعة عام ١٩٩٩م، شعروا انهم “كبروا” ، وما محتاجين زول كبير… فانقسموا… وحين رحل عن الفانية، و”شربت دولتهم موية، وما روت”، فى غوغائية “الحل في البل”، يحاولون إنجاز “وحدة ملغومة”، وتغيير للاسم والتحسب للآتي، بناء على أفكار وطرائق وتكتيكات حسن الترابي.. وهى محاولة إعادة عقارب الساعة الي الوراء، أيضا.. وحدة على أي شيئ ونحو أي أفق، وبناء على أي تصورات مستوعبة للحادثات؟
الجمهوريون لا يجب الحديث عنهم.. فالجمهوري أول ما يبتدر به كلامه” الاستاذ قال…”.. لو وجدوا ضريح محمود محمد طه، لوضعوا أربعة حراس، كما فعل الجنوبيون على ضريح جون قرنق.
شايف كيف؟
البعثيون لا تحسبهم.. ديل “هلالاب” سااااي.. حمام ميت..
المؤتمر السوداني أصلا ما بتعرفوا : ماشي وللا جايي.. عندو عضام وللا “فيليه”، يبيض ام يلد… فشنووووو؟
أحسن ما نجيب سيرتو…
يعني بعد تضريب أخماس في أسداس، ستجد اننا مقبرة ضخمة، يسكنها ٤٠ مليون نسمة.. وهو ما يجعل لجان المقاومة ثعبانا مقطوع الرأس، لا يعرف ماذا يريد ولا كيف ينجز ما لا يعرفه.. يشهر لاءات فارغة من أي معنى، ويظن أنه” جاب الزيت”…
هل ثمة بؤس حارق أكثر من هذا؟