أخبار عاجلةمقالات

*بروفيسور عثمان ابوزيد يكتب..صفحة مطوية في حياة الشيخ عطية*

بعثت بسؤال إلى الأخ الدكتور حمد النيل على الأمين: متى كانت السنة التي انقطع فيها الشيخ عطية محمد سعيد للقراءة بمكتبة جامعة الملك عبد العزيز في جدة؟
لم تردني إجابة، لكن أظن أنها كانت في ٢٠٠٤م.
كان حمد النيل موظفا بالمكتبة (الآن أستاذ للمعلومات في جامعة الطائف)، وكان أول شخص يقابله الداخل آلى قاعات المكتبة المركزية. ومشهور عنه حفظه المذهل لأرقام الكتب وأماكن وجود المراجع، فما إن تسأله عن مرجع حتى يرشدك إليه قبل أن يرتد إليك طرفك…
سمعت من البروفيسور علي شمو أنه عندما وصل إلى جامعة الملك عبد العزيز لقضاء إجازة تفرغ علمي، ذهب إلى المكتبة، فوقعت عينه على حمد النيل، فسأله عن جملة من المراجع الإعلامية، فأرشده إليها، وشكره الأستاذ شمو وقال له: نصحوني أن أقابل شخصا اسمه حمد النيل ليساعدني، لكنك قمت بالواجب خير قيام!
ذات زيارة لي إلى المكتبة أخبرني الأخ حمد أن الشيخ عطية محمد سعيد من رواد المكتبة الدائمين، وله (خلوة) يعكف فيها على كتبه صباحا ومساء.
ظللت ألتقي مع الشيخ عطية كلما أتيت مساء، إذ كان يختلف إليها من شقة استأجرها في حي الجامعة ليكون قريبا من خلوته.
قال لي: جئت إلى الحج، وبعد أن قضيت النسك أردت تحقيق رغبة لي قديمة في الانقطاع للقراءة بعض الأشهر. وأشار إلى أرفف المكتبة وقال: ليت لنا من العمر ما نستطيع به قراءة كل هذه الكتب.
كنت أعجب لهمته تلك وهو في ذلك الوقت فوق السبعين من العمر.
شيخ عطية لم يكمل تعليمه النظامي، وترك الدراسة بعد المرحلة الوسطى. سافر إلى مصر للالتحاق بالأزهر، غير أنه لم يوفق في مواصلة الدراسة. ومع ذلك جاء في سيرته أنه كان واسع الاطلاع.
وربما أن ارتباطه المهني ببيع الصحف ثم إنشاء دار نشر بعد ذلك، كان سببا في صلته بالقراءة، مع دراسة بالمراسلة حتى تعلم اللغة الإنجليزية.
ولعله حاز علما غزيرا من تجاربه في الحياة وأسفاره ونشاطه الإرشادي وإمامة المساجد.
وبالطبع فإن الاطلاع الواسع لا يكون بالقراءة وحدها الإنسان بل أيضا بما يحوزه المرء من تجاريب الحياة.
كان الشيخ قارئا من الطراز الأول، ولا شك أنه استطاع تعويض النقص في امتلاك حرفية البحث العلمي، بكثرة القراءة والمحفوظات.
وكم من أناس اكتفوا من تعليمهم بامتلاك المنهج، ولم ينتفعوا بأدوات المنهج مثل النجار الذي تدرب على فنون النجارة وامتلك عدة الشغل لكنه لم ينجر شيئا لا بابا ولا دولابا.
كانت للشيخ أهداف يصوب عليها قراءاته، وهذا غاية التزام المنهج، لكنني كنت أبدي دهشتي لشيخ سبعيني يقضي تلك الساعات الطويلة مع الكتب دون كلل أو ملل، وكنت أداعبه لذلك قائلا: عندي إحساس يا شيخنا أنك شارد من السودان لسبب من الأسباب…
فيرد ضاحكا: ياخي داير الصراحة، أنا محتاج لإجازة من زحمة الاجتماعيات؛ الفاتحات والسمايات الما ليها حد في السودان…
نسأل الله الرحمة والقبول لشيخ عطية، انتقل إلى جوار ربه في آخر يوم من رمضان، ودفن في مقبرة الصحافة صباح عيد الفطر.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى