أخبار عاجلةمقالات

*عبدالقادر دقاش يكتب..الكتابة ..رغم أنف القواعد*

يروى أن أحد مدرسي النحو-والذي صار (كموسنجي)، بعد أن ضاقت به سبل العيش، وهو يحاول إنارة عقول العالمين-التقى أحد أصدقائه القدامى، وهو يلتهم طعاماً في نهار رمضان، فسأله ما باله: فرد الصديق القديم من بين أطراف أشداقه الممتلئة، محاولاً مجاراة (الكموسنجي) المشتغل بالنحو سابقاً: (على سفر)، رافعاً (سفر)، بضمتين قاسيتين، بدلاً عن كسرتين رقيقتين. امتعض مدرس النحو، وقال في لهجة قاسية وأسىً بليغ: هلا اشتريت بقيمة التذكرة (متن الأجرومية)، لتميز تنوين الكسر عن الضم! و(متن الأجرومية) لمن لا يعرفه، كتاب يعلم أساسيات النحو العربي.

هذه الرواية، وأمثالها كثير، مما يقال في أبسط قواعد اللغات، ومهارات الكتابة، هي ما جعل خلق كثير يهجرون وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة (فيسبوك) و(تويتر)، فقد ذكرت مؤسسة هامس الأمريكية، أن أكثر من 74 في المائة قد هجروا وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لأنها تستهلك الوقت، كما هو شائع، ولكن لأنهم لا يطيقون الأخطاء الفادحة التي ترتكب بحق اللغة الإنجليزية وقواعدها. وتتراوح أعمار هذه النسبة ما بين 34-18سنة. ولم يكتف هؤلاء بالانسحاب الاحتجاجي من وسائل التواصل الاجتماعي، لكنهم دعوا في الوقت ذاته إدارتي (فيسبوك) و(تيوتر) إلى اغلاق حسابات أولئك (المهرجين) الذين لا يجيدون أبسط قواعد الكتابة.

الكتابة مولود، يسبقه مخاض وألم، يعيشه المشتغلون بالكتابة حقاً، لا الذين يسودون صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وصفحات الصحف السيارة، أو حتى المتحدثون في الفضائيات (بالكوارث) من الأخطاء (الفاضحة) الفادحة، يستبيحون فيها أبسط قواعد اللغة العربية الأساسية، لا قواعدها المركبة المعقدة التي محلها الكتابات الأكاديمية وقاعات الدرس.

لا شك أننا نعيش في عصر أضحت فيه الكتابة الوسيلة الأكثر تعبيراً عن مواقفنا وانفعالاتنا، بدقة. وأصدق ناقل لمشاعرنا وأفكارنا، بوضوح. لكن هناك من يسيئون إساءة بالغة لهذه الأداة (السهلة الممتنعة)، يكتبون كل شيء، في كل شيء، كيفما اتفق. وأدهى من ذلك، وأمّر، إن كثيراً من أصحاب الكتابات، يزينون أسماءهم بألقاب هي الأخرى أضحت مستباحة: الشاعر، الإعلامي، الدكتور، القاص، الراوي، الأستاذ، وألقاب أخرى كثيرة …؟! ومن ثم يمتشقون الأقلام ويمتطون صهوات الصفحات، يملؤونها (ترهات)؟ ويأتي المطبلون من بعد ذلك، يهتفون ويصفقون إعجاباً، لأشياء لا تثير الإعجاب أصلاً، حتى تعقد لها حواجب الدهشة، والذهول!

اضمحلال الكتابة، وترديها، إن دلَّ، إنما يدلّ على اضمحلال وتردي اجتماعي وثقافي، ومن غير المتصور أن يكون هناك وعي ورقي، دون ثقافة. والثقافة لا تكون هي الأخرى من غير كتابة جيدة تغذي وتكوّن الوعّي، وتهذب وتنمي الرقّي.

ولو أغلقت إدارة (فيسبوك) و (تيوتر) حسابات (المخرمجين) لما وجدت من يكتب على صفحاتها، ولو اختبرت الصحف منسوبيها في معرفة قواعد الكتابة لما وجدت صحفياً واحداً يكتب، ولو طلبت الفضائيات من مقدميها الحد الأدنى من بيان اللسان لما وجدت من يقدم برنامجاً واحداً، والحياة تمضي رغم (الخرمجة)… والانسحاب لا يغير من الواقع شيئاً. واحتجاج (الكموسنجي) المشتغل بالنحو، لا يمنع صديقه المسافر من الوقوع في خطل الكلام، ما دام افطاره جائزاً …

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى