*د.محمد بشير عبادي يكتب..أيها الهدامون..شكر الله سعيكم*

#لاهوادة
قيل أن أمير في زمن غابر اتفق مع معماري على بناء قصر منيف لا مثيل له على أنقاض قصره القديم.. جاء المعماري بالعمال فهدموا القصر القائم، ثم استبدلهم بعمال آخرين ليبدأوا بناء القصر الجديد وعندما استفسره الأمير عن مغزى تغييره للعمال، أجاب المعماري أن العمال الأوائل هم عمال هدم لا بناء والآن أتيت بعمال البناء.
العبرة من هذه القصة أن من يمتلك عقلية الهدم ومهارته لا يجيد البناء وبالتطبيق على حالتنا السودانية (المنهدمة)، نجد أن الذين قاموا بالهدم يريدوا أن يكونوا هم البناءون أنفسهم، فأغلب الأحزاب السياسية والحركات المسلحة، اجتمعت لهدم نظام الإنقاذ عدوهم الأوحد الذي جمعهم رغم فرقتهم أيدولوجيا ومنهجيا، بل واختلافهم حتى في تركيبتهم بنيويا، فشتان مابين ممارسة العمل السياسي المدني والتمرد المسلح ولكن رغم ذلك اجتمع الفرقاء للهدم.
وبذات العقلية وبذات الشخوص يريدون الآن أن يقنعوا الشعب السوداني أنهم هم البناءون، هي ذات الطريقة الفاشلة في إدارة الدولة عقب تغير الانظمة السياسية بطريقة الهدم، كما وقعت في كثير من الدول، كالذي حدث قبلا لحركة طالبان في أفغانستان بعد إنتصارها على الجيش السوفييتي وقتها، فقد أدارت أجهزة الحكم بنفس الحرب الحار وبذات أدوات الهدم،إلى أن استدركت الأمر مؤخرا بعد أكثر من عقدين من الزمان وبعد أن جرت مياه كثيرة تحت جسر الممارسة التي جرفت صفوف وغيرت مناهج وجددت أفكار، ذات الشئ يحدث الآن في دولة جنوب السودان بعد إنفصالها، فقد انهكتها الحرب وما خلفته من جوع ومرض فتك بالكثيرين ولا زالت الدولة في حالة كساح، طالما الذين قاموا بالهدم جالسين على سدة الحكم بذات العقلية وذات الأدوات والأمثلة كثيرة كما حدث في العراق واليمن وليبيا…
لكي تنهض بلادنا لابد للذين قاموا بالهدم أن يترجلوا ويغادروا ساحة الفعل السياسي والتنفيذي، شكر الله سعيهم، ليفسحوا المجال للبناءين من ساسة جدد كانوا في الصفوف الخلفية وتكنوقراط ومهنيين مؤهلين ومهيئين نفسيا وذهنيا لعملية البناء الشاقة التي تحتاج لأجواء صحية مستقرة وعقول منفتحة وقلوب منشرحة.. أجواء ليست كالتي نعيشها اليوم بغتامتها وتوتراتها ونزاعاتها وتشاكس ساستها وناشطيها،مما جعل الساحة السودانية ساحة للفتن انتشرت فيها الهزاهز وعلت فيها أصوات وقعقعة أدوات الهدم، فهم في الأصل لا يملكون تصورات ولا برامج لإدارة الدولة، لقد صدمهم الإنهيار السريع لنظام الإنقاذ المتصدع من داخله سلفا،فلم يسعفهم الزمن حتى لإعداد”علوق شدة” وهو الشئ الذي جعل رئيس الوزراء الإنتقالي يجأر بالشكوى مرارا وتكرارا من عدم وجود برنامج مقدم من قبل الحاضنة السياسية ساعتها لإدارة الفترة الانتقالية وكذلك من عدم وجود حد أدنى من التوافق بين المكونات السياسية، هذا التوافق المطلوب للتمهيد لمرحلة الانتخابات فالاستقرار السياسي المنشود،مما أضطر رئيس الوزراء أن يغادر منصبه مستقيلا، بعد أن فقد بصيص الضوء الذي كان يراه في آخر النفق المظلم.
إن قيمة الإنسان والإستثمار فيه هي السبيل إلى بناء المجتمعات والتقدم الحضاري، إذ أن الحضارات والدول لا تقاس بعمرانها وثروات ها فحسب، بل بإهتمامها ببناء الانسان الذي يشكل الجزء الكبير في مسيرة الحياة واستمرارية تلك الحضارة المبنية على مدى الاهتمام ببناء ذلك الإنسان قيميا وأخلاقيا ومن ثم علميا، فهو الذي يساهم في التطوير والتوازن في هذا الكون.
فالدول التي تقدمت لم يتم لها هذا التقدم، إلا بعد أن استثمرت في عقول أبناءها، بل كثير منها تستورد هذه العقول البناءة وتدفع لأجلها الأموال الطائلة، لأنها تعلم أن أسس النهضة تقوم على ثلاثة قوائم، مورد بشري وأرض ومورد مادي.
فيا أهل السودان إن أردتم الرفعة والسؤدد، أزيحوا صفوف الهدامون وقدموا صفوف البناءون، فلكل مقام مقال ولكل أوان رجال و”أم جركم ما بتاكل خريفين” .