*عبدالقادر دقاش يكتب..مفهوم السعادة الزوجية*

يحكى أن زوجين، جمعتهما قصة حب عاصف، قبل أن يتوجا ملكين على عرش الزوجية. تقاسما أحلامها منذ أيام الدراسة، كانا يلتقيان في كافتيريا الجامعة، كان يدرس اللغة العربية وهي تدرس الاقتصاد، كليتان، أمتارا معدودات تفصلها في حيز الجامعة، ولكن المسافة بينهما في واقع الحياة لا تقدر بقياس…كانت تضحك عندما يحكي لها عن المتنبي ويصفة بالشحاذ الكبير، الذي كان يقايض مملكه كاملة من الشعر بأمارة بائسة من الخراب. ويحدثها عن مدرسة الغابة والصحراء، وأباداماك. ويسر لها بحبه ل(نزار قباني) ويقرأ لها (طفولة نهد) تتأمل أنفه المستقيم، تنظر إلى عينيه الغائرتين، تحاول أن تقرأ من خلالهما المستقبل الناضر والسعادة المنتظرة. تفكر في الغد المشرق وتحسب بعقل تاجر (يهودي) كل شيء. كانت تحدثه عن العمل المأجور ورأس المال وتحكي له عن البيان الشيوعي، بعقل اشتراكي تنطوى روح الرأسمالية في صميم تكوينه.
تخرجا من الجامعة، ذهب يُدِرس التلاميذ الشعر والخطابة ويقرأ لهم سرا، أغنيات للشمس والخبز والحرية. ويحدثهم في لحظات التجلي عن الحب والسعادة والإنسانية، براتب (مخز) لا يكفي لشراء (بيت من الشِعرِ) أو أيجار (بيت من الشَعرِ). وتبوأت هي مقعدا وثيرا في أحد المصارف الكبرى براتب (مجز) يكفي لدفع ايجار البيت -الذي قررا أن يبنياه قشة، قشة- ويزيد في شراء الحاجيات.
تزوجا، لم يتخل عن ضلاله القديم، يقرأ لها في الليالي المقمرة: إني اخترتك فاختاري ما بين الموت على صدري أو بين دفاتر اشعاري…ويغازلها كل صباح بأشعار مسجوعة ويداعبها في أناقة لفظية بديعة. وهي تنظر إلى عينيه الغائرتين عندما يشفط الشاي ويقضم الزلابية في تلذذ. تتسارع الأرقام في رأسها تحسب نسبة ما دفعه هذا الشاعر (الضليل) من راتبه على نفقات البيت؟! يشتجرا، تحدثه عن مشكلات الحياة الحقيقية، وعن الأشياء التي تجلب السعادة الزوجية. ويحدثها هو عن إن سعادة الإنسان في وجوده. ينتهى بركان الخلاف، لكنه لا يموت…
وعندما انفجر الخلاف بينهما طوفانا، آثرت أن تفارقه ب(إحسان)، فقد حملت معها كل شيء زاعمه أن كل شيء اشترته بحر مالها، وهو لم يكن عنده غير (كلامه الكثير)… وحين دخل البيت في تلك الليلة الحزينة المطيرة لم يجد في البيت الخاوي سوى وسادة ومصلاة. بات ليلته تلك في المصلاة متوسدا وسادته. بدا سعيدا، فقد أيقن أن تلك المرأة (البلقيسة) ما تركت له تلك الوسادة والمصلاة إلا لأنها تحبه. والمرأة مفطورة على الحب. وسرى في جسده خدر جميل، وهو يجادل نفسه ويقول، لو لم تكن تحبني لتركتني أنام على الأرض وأتوسد ساعدي، إليس هذا منتهى الحب يا لي من رجل سعيد!