أخبار عاجلةمقالات

حين ينتصر السودان بالإنسانية

*وسط ضجيج الحرب وصخب الأخبار القادمة من جبهات القتال، يمر أحيانا حدث لا تقل أهميته عن أي انتصار ميداني، لأنه يتعلق بصورة الوطن ومكانته وقدرته على استعادة حضوره في العالم. ومن هذا النوع يأتي نجاح جمعية الهلال الأحمر السوداني بقيادة رئيس لجنة التسيير د. عبرالرحمن بالعيد والأمين العام أحمد الطيب في استضافة اجتماعات تجمع جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر لشرق أفريقيا والمحيط الهندي بمدينة بورتسودان خلال يوليو المقبل.
*قد يبدو الأمر للبعض مجرد مؤتمر إقليمي، لكنه في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير. فحين توافق خمس عشرة دولة ومؤسسات الحركة الدولية للهلال الأحمر والصليب الأحمر على الحضور إلى السودان في هذا التوقيت، فإنها لا تشارك في اجتماع عادي، بل تقدم شهادة عملية بأن السودان لا يزال قادرا على التواصل مع محيطه، واستضافة الفعاليات الدولية، وإدارة الأحداث الكبرى رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها.
*الأهمية الحقيقية للمؤتمر لا تكمن في عدد الجلسات أو أوراق العمل، وإنما في الرسائل التي يحملها. أولى هذه الرسائل أن السودان لم يغب عن محيطه الإقليمي كما يتصور البعض، وأن مؤسساته الوطنية ما زالت تمتلك القدرة على الحركة والتأثير وبناء الشراكات. أما الرسالة الثانية فهي أن العمل الإنساني السوداني، رغم كل ما واجهه من تحديات، استطاع أن يحافظ على مكانته وأن يستعيد دوره داخل المنظومة الإنسانية الدولية.
*ولعل ما يضاعف أهمية الحدث أنه يأتي بعد أكثر من ثلاثة عقود من الغياب عن استضافة مثل هذه الاجتماعات. واليوم يعود إلى الواجهة ليس كضيف على المشهد الإنساني، بل كمضيف وشريك وقائد محتمل لمسار إقليمي مهم في واحدة من أكثر مناطق العالم احتياجا للعمل الإنساني.
*حسنا..خلال سنوات الحرب الأخيرة، لم يكن الهلال الأحمر السوداني مجرد مؤسسة إغاثية توزع المساعدات، بل تحول إلى أحد الأعمدة الرئيسية للاستجابة الإنسانية في البلاد. وفي وقت تعطلت فيه كثير من المؤسسات، واصل متطوعوه العمل في ظروف بالغة التعقيد، ما أكسب الجمعية احتراما متزايدا داخل الحركة الدولية للهلال الأحمر والصليب الأحمر،ومن هنا فإن نجاح الجمعية في استقطاب هذا التجمع الإقليمي إلى بورتسودان يمثل انتصارا للدبلوماسية الإنسانية السودانية بقدر ما يمثل نجاحا تنظيميا. فالدبلوماسية لا تمارس فقط عبر وزارات الخارجية والسفارات، وإنما عبر المؤسسات الوطنية القادرة على بناء الثقة وفتح قنوات التعاون وإبقاء السودان حاضرا في دوائر التأثير الإقليمي والدولي.
*اما الرسالة ألاخرى التي لا تقل أهمية،ويرسلها هذى المؤتمر هي أن السودان لا يريد أن ينظر إليه فقط من زاوية الحرب والأزمة الإنسانية، بل أيضا من زاوية القدرة على التعافي وإعادة البناء وصناعة المبادرات. فالدول لا تقاس فقط بحجم أزماتها، وإنما بقدرتها على النهوض منها.
ويحسب لقيادة الهلال الأحمر السوداني برئاسة د. عبدالرحمن بالعيد والأمين العام أحمد الطيب، أنهما تعاملا مع المؤتمر باعتباره مشروعا وطنيا لا فعالية مؤسسية محدودة، فنجحت في حشد الدعم من عدد من المؤسسات الوطنية الكبرى، وقدمت نموذجا للتكامل بين القطاع الإنساني ومؤسسات الدولة والقطاع الاقتصادي من أجل إنجاح حدث يحمل اسم السودان أمام ضيوفه وشركائه.
*عموما.. قد لا تتصدر أخبار هذا المؤتمر عناوين المعارك أو التطورات السياسية اليومية، لكنه يمثل واحدا من الأحداث التي تعيد رسم صورة السودان أمام نفسه وأمام الآخرين. فالأوطان لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما تنتصر أيضا حين تنجح في جمع الأشقاء حولها، وبناء الثقة، وإحياء الأمل، وتأكيد قدرتها على البقاء والتأثير، وهذا بالضبط ما يفعله الهلال الأحمر السوداني اليوم.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى