أخبار عاجلةمقالات

د. معاوية عبيد يكتب.. يا فيها يا أطفيها

صرير القلم
يتميز الشعب السوداني عبر تاريخه بصفات عظيمة شهد له بها القريب والبعيد؛ من كرم الضيافة، والشهامة، والمروءة، والنجدة، والتكافل الاجتماعي، وهي صفات جعلت السوداني يحظى بمكانة واحترام بين الشعوب. غير أن المتأمل في بعض السلوكيات التي برزت خلال السنوات الأخيرة، وخاصة في ظروف الحرب والأزمات، يقف أمام ظاهرة مؤلمة تستحق التأمل والمراجعة، وهي ظاهرة الحسد وتمني زوال النعمة عن الآخرين.
الحسد ليس خلقًا جديدًا على البشرية، فقد عرفه الإنسان منذ فجر التاريخ عندما حسد قابيل أخاه هابيل، وكان الحسد سببًا في أول جريمة قتل على وجه الأرض. ولذلك حذر الإسلام من هذا الداء الخطير، فقال تعالى: (ومن شر حاسد إذا حسد)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا ).
ومن المواقف التي تتكرر في حياتنا اليومية أن تُمنح فئة من الناس فرصة أو مكرمة أو خدمة معينة، فيفرح البعض لهم، بينما ينشغل آخرون بالسعي إلى إيقافها أو تعطيلها لمجرد أنهم لم يكونوا ضمن المستفيدين منها. وكأن لسان حالهم يقول: “إن لم أكن فيها فلتتوقف للجميع”. وهذه العقلية التي يلخصها المثل الشعبي “يا فيها يا أطفيها” لا تبني مجتمعًا ولا تصنع نهضة، بل تهدم جسور المحبة وتزرع الأحقاد بين الناس.
والأدهى من ذلك أن بعض من يمارس هذه السلوكيات قد يظهر للناس بمظهر الصلاح والتدين، فتجده في الصفوف الأولى للصلاة، وربما أكثر الناس حديثًا عن الفضائل، بينما يخالف سلوكه جوهر الدين ومقاصده. فالإسلام لا يقاس بكثرة الشعارات ولا بالمظاهر، وإنما يقاس بصدق المعاملة وسلامة الصدر وحب الخير للناس.
وقد ضرب السلف أمثلة كثيرة في ذم التناقض بين القول والعمل، حتى قيل في بعض أهل الفتن إنهم كانوا يسألون عن المسائل الصغيرة والدقيقة في الدين، بينما يقعون في الكبائر والعظائم. فالعبرة ليست بكثرة الأسئلة ولا بطول المظاهر، وإنما بحقيقة الالتزام بأخلاق الإسلام.
إن المجتمع الذي يفرح أفراده لنجاح بعضهم البعض هو مجتمع مرشح للتقدم والازدهار، أما المجتمع الذي ينشغل بعض أبنائه بمحاربة الناجحين وتعطيل الخير عن الآخرين فإنه يهدر طاقاته في الصراعات الداخلية بدلاً من البناء والتنمية.
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء قيمة عظيمة من قيم الإسلام، وهي حب الخير للآخرين، وأن يدعو الإنسان لأخيه بالبركة والتوفيق بدلاً من أن يتمنى زوال نعمته ، فالنعم لا تنقص إذا تقاسمها الناس، والخير لا يتوقف إذا وصل إلى غيرنا، بل إن الله سبحانه وتعالى واسع الفضل، يؤتي من يشاء بغير حساب،
فليكن نهجنا نهج السلف إن لم أكن ضمن المستفيدين اليوم، فسأفرح لمن استفاد، وأسعى لأكون من المستفيدين غدًا بالعمل والاجتهاد، لا بإطفاء المصابيح التي أنارت طريق الآخرين.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى