أخبار عاجلةمقالات

د. محمد بشير عبادي يكتب.. مشروع الجزيرة.. من حواشات القطن إلى مدينة زراعية صناعية متكاملة

 

 

عندما أنشأه المستعمر البريطاني في عام (1925م) لم يكن مشروع الجزيرة مشروعاً سودانياً،كان استجابة لحاجة مصانع “لانكشاير” للنسيج في إنجلترا،لذلك تم تأطيره بالكامل في محصول واحد، بدأ بـ (300 ألف فدان) ونما ليصل اليوم إلى حوالي (2 مليون فدان) أي (840 ألف هكتار) من أخصب تربة طمية في العالم، يسقيها أكبر نظام ري انسيابي في إفريقيا.

اختار البريطانيون القطن بعد أن اكتشفوا صلاحية الأرض لزراعة القطن طويل التيلة كمادة خام لصناعتهم، لم تُسأل الأرض ماذا يمكن أن تعطي، ولم يُسأل المزارع ماذا يحتاج الوطن؟! هكذا نشأ نظام “الحواشات” المتجزئة وأصبح المشروع حتى اليوم أولاً وقبل كل شيء مشروع قطن ينتج (63%) من قطن السودان، بينما بقيت بقية الإمكانيات نائمة.

الحقيقة أن مشروع الجزيرة أكبر من القطن، هو تربة عميقة ومياه مضمونة من خزان سنار ومناخ يسمح بزراعتين في العام وبنية تحتية من قنوات وطرق،هذا يعني أننا أمام أكبر مشروع ري تحت إدارة واحدة في العالم، قادر أن يكون سلة غذاء السودان ومصنعه ومصدره الأول.

ولكي يحدث ذلك لابد من كسر القالب القديم والانتقال من فكرة “الحواشات” إلى “المزرعة الشاملة المتكاملة رأسياً”، الفكرة تتم بدمج (10 إلى 20)حواشة في مزرعة واحدة مساحتها (50 إلى 100) فدان تدار كمنظومة إنتاجية كاملة، نفس الأرض يزرع فيها القمح والذرة والخضروات والفواكه والأعلاف وتقام فيها حظائر للدواجن والماشية ومناحل للعسل والمخلفات الزراعية تتحول إلى علف وروث الحيوان يعود سماداً طبيعيا للأرض، فتقل التكلفة ويزيد العائد.

الأهم من الزراعة هو ما بعدها،المزرعة الجديدة لا تبيع خاماً فقط، بل تحول إنتاجها داخلياً إلى منتج جاهز،معمل صغير للألبان ينتج الجبن والزبادي والزبد، وحدة تعليب للطماطم والخضار والفواكه ومجزر آلي لتعبئة اللحوم،بهذه الطريقة يخرج من نفس الفدان منتج نهائي معبأ يذهب مباشرة إلى المستهلك في كل ولايات السودان ، أو إلى أسواق الخليج وإفريقيا،فالقيمة المضافة هنا تتضاعف عدة مرات والوظائف تتضاعف لأن التصنيع والتعبئة والتسويق كلها تحدث داخل المشروع.

هذا ليس حلماً،هولندا كنموذج مساحتها الزراعية أقل بكثير من مساحة الجزيرة ومع ذلك هي ثاني أكبر مصدر زراعي في العالم لأنها حولت مزارعها إلى مصانع، الدنمارك لا تصدر حليباً خاماً بل جبناً وزبدة ومصر الآن في مشروع الدلتا الجديدة تتجه لنفس النموذج، مزارع متوسطة متكاملة فيها زراعة وتصنيع وطاقة.

ما يمنعنا ليس نقص الموارد بل نقص الرؤية،السودان يستورد اليوم بمليارات الدولارات قمحاً وزيوتاً وألباناً ولحوماً معلبة، وكلها يمكن أن تخرج من الجزيرة وإذا تحول المشروع إلى شبكة من المزارع المنتجة المصنعة المعلبة، سنوفر العملة الصعبة، ونشغل مئات الآلاف من الشباب، ونحقق الأمن الغذائي.

مشروع الجزيرة ظل أسيراً (100) سنة لرؤية المحتل الأجنبي الذي أراده حقل قطن،آن الأوان أن نحرره برؤية سودانية تجعله مدينة زراعية صناعية متكاملة، الأرض موجودة والماء موجود والإنسان موجود، ما نحتاجه هو قرار بدمج الحواشات في شركات تعاونية ممولة وبناء المعامل الصغيرة داخل الحقول، وربط الإنتاج بالسوق،عندها فقط نكون قد حولنا إرث الإحتلال إلى مشروع نهضة وطنية ضخمة.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى