أخبار عاجلةالاجتماعي

منابر التسامح في مواجهة خطاب الكراهية

البلد نيوز: احمد بامنت
في أوقات الأزمات والاحتقانات الاجتماعية، تستعيد المنابر والمساجد دورها الأصيل بوصفها منارات للهداية والإصلاح، ومجالس للحكمة والتوجيه، تتجاوز حدود الوعظ التقليدي لتصبح منصات لترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز قيم التعايش والسلام بين الناس. وعندما تنجح تلك المنابر في قراءة احتياجات المجتمع وتشخيص علله، فإنها تؤدي رسالتها الحقيقية في توجيه الأمة ورسم مسارها المتوافق مع مقاصد الدين الحنيف وقيمه السامية.
هذا المعنى تجسد بوضوح في خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ الدكتور معتز عبدالله أبو الحارث بمسجد عبدالله بن مسعود بحي الشعبية بكسلا، حيث تناول قضايا التماسك الاجتماعي والتسامح ونبذ العصبية وخطاب الكراهية، مستنداً إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ومقدماً نموذجاً عملياً للدور الذي ينبغي أن تضطلع به المنابر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد.
ولم تكن أهمية الخطبة نابعة من كونها استجابة لتوجيهات إدارية أو ترتيبات أمنية، رغم أهمية التنسيق المؤسسي في القضايا المجتمعية، وإنما جاءت في جوهرها استجابة لنداء الشرع الحنيف الذي جعل من إصلاح ذات البين ونشر السلام والتآخي بين المسلمين من أعظم القربات وأجل الأعمال. فقد خاطب الشيخ أبو الحارث وجدان المصلين بلغة هادئة وحكمة بالغة، مذكراً بالقيم الإسلامية التي تدعو إلى التسامح والعفو والتراحم، وتحذر من الفرقة والبغضاء والتنازع.
لقد استطاع الخطيب بأسلوبه المتزن وكلماته المؤثرة أن يلامس جراح المجتمع وأن يبعث رسائل طمأنينة وأمل في وقت تتصاعد فيه الأصوات الداعية إلى الانقسام والتصنيف القبلي والإقصاء. وكانت خطبته تذكيراً بأن الإسلام لم يبنِ مجتمعه الأول على العصبيات والانتماءات الضيقة، وإنما على الأخوة الإنسانية والإيمانية التي جمعت بين مختلف القبائل والأعراق تحت مظلة العدل والرحمة.
وتكتسب هذه الرسائل أهمية مضاعفة في ظل ما يشهده شرق السودان خلال الفترة الأخيرة من تنامٍ مقلق لخطاب الكراهية والاستقطاب القبلي، حيث برزت على بعض المنصات ووسائط التواصل دعوات وممارسات من شأنها تأجيج التوترات المجتمعية وإضعاف فرص التوافق والاستقرار. ومثل هذه الظروف تتطلب حضوراً فاعلاً للمنابر الدينية والعلماء والدعاة وأصحاب الرأي، لتأكيد علي المشتركات التي تجمع الناس وترسيخ ثقافة الحوار والتسامح واحترام التنوع.
إن المجتمعات لا تواجه خطاب الكراهية بالقوانين وحدها، على أهميتها، وإنما تحتاج كذلك إلى خطاب أخلاقي وتربوي يعيد الاعتبار لقيم التاخي والتعايش والاحترام المتبادل. وهنا يبرز دور المسجد باعتباره مؤسسة مجتمعية مؤثرة قادرة على الوصول إلى مختلف الفئات، وتوجيه الرأي العام نحو ما يحقق المصلحة العامة ويحفظ وحدة المجتمع.
ولعل أبرز ما ميز خطبة الشيخ الدكتور معتز عبدالله أبو الحارث أنها لم تنطلق من منطق الاتهام أو الاستقطاب، بل من منطق الإصلاح والتذكير، وهو المنهج الذي رسخه القرآن الكريم في الدعوة إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة. فالكلمة الصادقة حين تصدر عن علم وإخلاص يمكن أن تكون أكثر تأثيراً من كثير من الوسائل الأخرى في معالجة الأزمات الاجتماعية وتهدئة النفوس وتقريب وجهات النظر.
إن الحاجة اليوم إلى مثل هذه الأصوات الحكيمة أصبحت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل الاحداث التي تشهدها البلاد وحجم الاستهداف الذي يتربص بنا، فكل خطاب يدعو إلى التسامح والسلام والتعايش يمثل إضافة حقيقية إلى جهود بناء الاستقرار المجتمعي، وكل منبر يناهض الكراهية ويعزز قيم الأخوة يسهم في حماية الوطن من مخاطر الانقسام والتشظي.
وإذا كانت خطبة مسجد عبدالله بن مسعود قد حملت هذه الرسائل النبيلة، فإنها تقدم نموذجاً جديراً بالاقتداء، وتؤكد أن المنابر قادرة على أن تكون جزءاً من الحل متى ما التزمت بروح الدين ومقاصده الكبرى.
فجزى الله الشيخ الوقور الدكتور معتز عبدالله أبو الحارث خير الجزاء على ما قدمه من كلمة مسؤولة ورسالة واعية، وألهم سائر الدعاة والخطباء أن يجعلوا من منابرهم جسوراً للمحبة والتسامح، ومنارات للسلام والوحدة الوطنية، في وقت تتعاظم فيه الحاجة إلى الكلمة الطيبة التي تجمع ولا تفرق، وتصلح ولا تفسد.

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى