أخبار عاجلةمقالات

لوحة شهداء ود النورة و شهداء أُحد… اختلف المكان والزمان وتوحدت العقيدة

للتاريخ قدرة عجيبة على أن يعيد رسم بعض مشاهده لا بالحروف وحدها وإنما بالدماء والتضحيات والثبات على المبدأ قد يختلف المكان وتتباعد الأزمنة لكن الإنسان المؤمن الذي يدافع عن أرضه وعرضه ودينه يبقى هو الإنسان نفسه يحمل العقيدة ذاتها ويقدم روحه رخيصة ابتغاء مرضاة الله .
وقفت اليوم أمام مقبرة شهداء ود النورة تلك البقعة التي ارتوت بدماء أكثر من مائة وخمسين شهيدًا ارتقوا وهم يدافعون عن أهلهم وأرضهم وكرامتهم ، هناك امتدت القبور في صمت مهيب لكنها كانت تنطق بأبلغ من كل الخطب وتحكي قصة رجال ونساء وشباب وأطفال كتبوا بدمائهم صفحة خالدة في تاريخ السودان الحديث ، كانت وقفة شارك فيها وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية وممثل والي ولاية الجزيرة والأمين العام لديوان الزكاة ومدير عام الصندوق القومي للتأمين الصحي ومفوض مفوضية الأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر إلى جانب عدد كبير من المسؤولين وأهل المنطقة، لكن المشهد الذي استوقفني لم يكن حضور المسؤولين وإنما ذلك الامتداد لمقبرة الشهداء وذلك السكون الذي يملأ المكان فأعاد إلى ذاكرتي مقبرة شهداء أُحد ،لم يكن المكان هو المكان ولم يكن الزمان هو الزمان لكن المعنى كان واحدًا هناك في أُحد اجتمع خيرة الصحابة في مقبرة واحدة بعد أن قدموا أرواحهم دفاعًا عن دينهم، استشهد حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء واستشهد مصعب بن عمير الذي ترك نعيم الدنيا كلها نصرةً للإسلام حتى لم يجد المسلمون ما يكفنه به إلا ثوبًا قصيرًا واستشهد معهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فدفنوا متجاورين في أرض واحدة وجمعتهم عقيدة واحدة .
واليوم في ود النورة يتكرر المشهد في صورة أخرى ،شهداء من الرجال والنساء والأطفال والشباب كانوا أعزة في أهلهم معروفين بالشجاعة والكرم والإباء لكنهم سقطوا ضحايا للغدر والخيانة في جريمة هزت الضمير الإنساني بعد ما عاثت المليشيا المتمردة فسادًا في الأرض فقتلت الأبرياء وانتهكت الحرمات وسلبت الأموال وروعت الآمنين ، ولا ينبغي أن يقودنا التشابه في المشهد إلى المساواة بين أحداث التاريخ في منزلتها الدينية فشهداء أُحد لهم فضلهم ومكانتهم التي ثبتت بنصوص الشرع لكن صور التضحية والثبات تتكرر عبر العصور ويبقى الدفاع عن الدين والوطن والكرامة قيمة إنسانية وإيمانية عظيمة،
إن مقبرة ود النورة شهادة حية على فظائع و جرائم المليشيا المتمردة المجرمة و من عاونها من اعداء الدين و الوطن و الخونة و العملاء و شهادة حية أن الأوطان تبقى ما بقي فيها رجال ونساء يفتدونها بأرواحهم وستظل هذه الأرض الطيبة تحفظ أسماء شهدائها كما حفظ التاريخ أسماء شهداء أُحد وسيبقى دعاؤنا لهم أن يتقبلهم الله في واسع رحمته وأن يجزيهم عن وطنهم وأمتهم خير الجزاء ،نسأل الله أن يرحم شهداء ود النورة وأن يتقبلهم في عليين وأن يجمعهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يحفظ السودان وأهله من كل سوء وأن يجعل من دمائهم الطاهرة نورًا يهدي إلى وحدة الوطن وصيانة الكرامة والثبات على الحق .

البلد نيوز

البلد نيوز صحيفة إلكترونية تهتم بالشأن المحلي والعربي والعالمي معًا، مستندة على المصداقية ونقل الصورة كما هي للأحداث، وتمنح البلد نيوز للمبدعين والكتَّاب ساحة للإبداع وطرح الأفكار، وتسعى إلى دعم كل ما هو جديد ومفيد في شتى المجالات.
زر الذهاب إلى الأعلى